النص
[3/120]الْفَصْلُ الثَّالِثُ : ( الرِّوِايَةُ بِالْمَعْنَى )
وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ ، وَالِاسْتِحْبَابُ لِمَنْ رَوَى بِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ .
( وَلْيَرْوِ بِالْأَلْفَاظِ ) الَّتِي سَمِعَ بِهَا مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا ، وبِدُونِ تَقْدِيمٍ وَلَا تَأْخِيرٍ وَلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ لِحَرْفٍ فَأَكْثَرَ ، وَلَا إِبْدَالِ حَرْفٍ أَوْ أَكْثَرَ بِغَيْرِهِ ، وَلَا مُشَدَّدٍ بِمُخَفَّفٍ أَوْ عَكْسِهِ ، ( مَنْ ) تَحَمَّلَ مِنْ غَيْرِ التَّصَانِيفِ مِمَّنْ ( لَا يَعْلَمُ مَدْلُولَهَا ) أَيِ : الْأَلْفَاظِ فِي اللِّسَانِ ، وَمَقَاصِدَهَا ، وَمَا يُحِيلُ مَعْنَاهَا ، وَالْمُحْتَمَلَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَالْمُرَادِفَ مِنْهَا ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ بِتَغْيِيرِهِ مِنَ الْخَلَلِ .
أَلَا تَرَى إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ كَيْفَ أَنْكَرَ عَلَى شُعْبَةَ - مَعَ جَلَالَتِهِ وَإِتْقَانِهِ - رِوَايَتَهُ بِالْمَعْنَى عَنْهُ لِحَدِيثِ النَّهْيِ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ بِلَفْظِ : نهي عَنِ التَّزَعْفُرِ . الدَّالِّ عَلَى الْعُمُومِ ؛ حَيْثُ لَمْ يَفْطِنْ لِمَا فَطِنَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ الَّذِي رِوَايَةُ شُعْبَةَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ ، مِنَ اخْتِصَاصِ النَّهْيِ بِالرِّجَالِ .
( وَأَمَّا غَيْرُهُ ) مِمَّنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيُحَقِّقُهُ فَاخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَأَرْبَابُ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ :
1 - ( فَالْمُعْظَمُ ) مِنْهُمْ ( أَجَازَ ) لَهُ الرِّوَايَةَ ( بِالْمَعْنَى ) إِذَا كَانَ قَاطِعًا أَنَّهُ أَدَّى مَعْنَى اللَّفْظِ الَّذِي بَلَغَهُ ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَرْفُوعُ أَوْ غَيْرُهُ ، كَانَ مُوجِبُهُ الْعِلْمَ أَوِ [3/121]الْعَمَلَ ، وَقَعَ مِنَ الصَّحَابِيِّ أَوِ التَّابِعِيِّ أَوْ غَيْرِهِمَا ، حَفِظَ اللَّفْظَ أَمْ لَا ، صَدَرَ فِي الْإِفْتَاءِ وَالْمُنَاظَرَةِ أَوِ الرِّوَايَةِ ، أَتَى بِلَفْظٍ مُرَادِفٍ لَهُ أَمْ لَا ، كَانَ مَعْنَاهُ غَامِضًا أَوْ ظَاهِرًا ، حَيْثُ لَمْ يَحْتَمِلِ اللَّفْظُ غَيْرَ ذَاكَ الْمَعْنَى وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِرَادَةُ الشَّارِعِ بِهَذَا اللَّفْظِ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ دُونَ التَّجَوُّزِ فِيهِ وَالِاسْتِعَارَةِ ؟
وَجَاءَ الْجَوَازُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَعَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ قَالَ : لَقِيتُ أُنَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ فَاجْتَمَعُوا فِي الْمَعْنَى وَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي اللَّفْظِ ، فَقُلْتُ ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ ؛ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُحِلْ مَعْنَاهُ . حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ حُذَيْفَةُ - رضي الله عنه - : إِنَّا قَوْمٌ عَرَبٌ ، نُورِدُ الْأَحَادِيثَ فَنُقَدِّمُ وَنُؤَخِّرُ . وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : كُنْتُ أَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنْ عَشَرَةٍ ، الْمَعْنَى وَاحِدٌ وَاللَّفْظُ مُخْتَلِفٌ .
وَمِمَّنْ كَانَ يَرْوِي بِالْمَعْنَى مِنَ التَّابِعِينَ : الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ ، بَلْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : إِنَّهُ الَّذِي تشْهَدُ بِهِ أَحْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الْأَوَّلِينَ ، فَكَثِيرًا مَا كَانُوا يَنْقُلُونَ مَعْنًى وَاحِدًا فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ مُعَوَّلَهُمْ كَانَ عَلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ . انْتَهَى .
وَلِانْتِشَارِهِ أَجَابَ مَالِكٌ مَنْ سَأَلَهُ : لِمَ لَمْ تَكْتُبْ عَنِ النَّاسِ وَقَدْ أَدْرَكْتَهُمْ مُتَوَافِرِينَ ؟ بِقَوْلِهِ : لَا أَكْتُبُ إِلَّا عَنْ رَجُلٍ يَعْرِفُ مَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ . وَكَذَا تَخْصِيصُهُ تَرْكُ الْأَخْذِ عَمَّنْ لَهُ فَضْلٌ وَصَلَاحٌ إِذَا كَانَ لَا يَعْرِفُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ بِكَوْنِهِ كَانَ قَبْلَ أَنْ تُدَوَّنَ الْكُتُبُ وَالْحَدِيثُ فِي الصُّدُورِ ؛ لِأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَخْلِطَ فِيمَا يُحَدِّثُ بِهِ .
فِيهِ إِشَارَةٌ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَدِّثُونَ عَلَى الْمَعَانِي ، وَإِلَّا فَلَوْ حَفِظَهُ لَفْظًا لَمَا أَنْكَرَهُ ، وَمِنْ ثَمَّ اشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِيمَنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِلَفْظِ الْمُحَدِّثِ كَوْنَهُ عَاقِلًا لِمَا يُحِيلُ مَعْنَاهُ ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي [3/122]مَعْرِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ : وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ ، وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ ) . فَلَا يَجُوزُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالْإِكْرَاهِ . وَإِنْ كَانَ هُوَ مَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَذْكُرْهُ كَذَلِكَ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ فَيَكِلَ اسْتِنْبَاطَهُ لِلْعُلَمَاءِ .
ثُمَّ جَعَلَا مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي ، وَجَزَمَا بِالْجَوَازِ فِيهِمَا ، وَمَثَّلَا الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ : ( اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ : الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ ) ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَولَ : أَمَرَ بِقَتْلِهِمَا ، وَالنَّهْيَ بِقَوْلِهِ : ( لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ ) ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : نَهَى عَنْ كَذَا وَكَذَا . لِأَنَّ " افْعَلْ " أَمْرٌ ، وَ " لَا تَفْعَلْ " نَهْيٌ .
[3/123]وَنَازَعَهُمَا الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ لَفْظَ " افْعَلْ " لِلْوُجُوبِ ، وَ " لَا تَفْعَلْ لِلتَّحْرِيمِ " ، بِخِلَافِ لَفْظِ الْأَمْرِ وَلَفْظِ النَّهْيِ .
وَفِيهِ نَظَرٌ ، إِذِ " افْعَلْ " وَ " لَا تَفْعَلْ " حَقِيقَةً عِبَارَةٌ عَنْهُمَا .
وَكَذَا عَلَيْهِ - كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ - الْمُبَالَغَةُ فِي التَّوَقِّي وَالتَّحَرِّي خَوْفًا مِنْ إِحَالَةِ الْمَعْنَى الَّذِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْحُكْمُ .
2 - وَقِيلَ : لَا تَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى مُطْلَقًا . قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ . حَتَّى إِنَّ بَعْضَ مَنْ ذَهَبَ لِهَذَا شَدَّدَ فِيهِ أَكْثَرَ التَّشْدِيدِ ، فَلَمْ يُجِزْ تَقْدِيمَ كَلِمَةٍ عَلَى كَلِمَةٍ ، وَلا حَرْفٍ عَلَى آخَرَ ، وَلَا إِبْدَالَ حَرْفٍ بِآخَرَ ، وَلَا زِيَادَةَ حَرْفٍ وَلَا حَذْفَهُ ، فَضْلًا عَنْ أَكْثَرَ ، وَلَا تَخْفِيفَ ثَقِيلٍ ، وَلَا تَثْقِيلَ خَفِيفٍ ، وَلَا رَفْعَ مَنْصُوبٍ ، وَلَا نَصْبَ مَجْرُورٍ أَوْ مَرْفُوعٍ ، وَلَوْ لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، بَلِ اقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى اللَّفْظِ وَلَوْ خَالَفَ اللُّغَةَ الْفَصِيحَةَ .
وَكَذَا لَوْ كَانَ لَحْنًا ، كَمَا بَيَّنَ تَفْصِيلَ هَذَا كُلِّهِ الْخَطِيبُ فِي ( الْكِفَايَةِ ) مِمَّا سَيَأْتِي بَعْضُهُ فِي كُلٍّ مِنَ الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَهُ وَالسَّادِسِ وَالْعَاشِرِ قَرِيبًا ، لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ الدُّخُولِ فِي الْوَعِيدِ حَيْثُ عَزَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفْظًا لَمْ يَقُلْهُ ، وَلِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ، وَاخْتُصِرَ لَهُ الْكَلِامُ اخْتِصَارًا .
وَغَيْرُهُ وَلَوْ كَانَ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ بِأَقْصَى غَايَةٍ لَيْسَ مِثْلَهُ ، بَلْ قَدْ يَظُنُّ تَوْفِيَةَ اللَّفْظِ بِمَعْنَى اللَّفْظِ الْآخَرِ ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَا عُهِدَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ .
[3/124]وَأَيْضًا فَالِاتِّفَاقُ حَاصِلٌ عَلَى وُرُودِ الشَّرْعِ بِأَشْيَاءَ قَصَدَ منهَا الْإِتْيَانَ بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا ، نَحْوَ التَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدِ وَالْأَذَانِ وَالشَّهَادَةِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ بِالْحَدِيثِ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ جَمِيعًا ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ ) . وَرَدُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الَّذِي عَلَّمَهُ مَا يَقُولُهُ عِنْدَ أَخْذِ مَضْجَعِهِ إِذْ قَالَ : وَ " رَسُولِكَ " بِقَوْلِهِ : " لَا ، وَنَبِيِّكَ .
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الْوَاقِعَ ، وَلَكِنْ لَمْ يَتِّفِقْ ذَلِكَ . انْتَهَى .
وَمِمَّنِ اعْتَمَدَهُ مُسْلِمٌ ، فَإِنَّهُ فِي ( صَحِيحِهِ ) يُمَيِّزُ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ حَتَّى فِي حَرْفٍ مِنَ الْمَتْنِ ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ مَعْنًى ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي بَعْضِهِ اخْتِلَافٌ فِي الْمَعْنَى ، وَلَكِنَّهُ خَفِيٌّ لَا يَتَفَطَّنُ لَهُ إِلَّا مَنْ هُوَ فِي الْعِلْمِ بِمَكَانٍ ، بِخِلَافِ الْبُخَارِيِّ ، وَكَذَا سَلَكَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَسَبَقَهُمَا لِذَلِكَ شَيْخُهُمَا أَحْمَدُ .
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَهُ : حدثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ ؛ قَالَا : أَنَا هِشَامٌ - ، قَالَ عَبَّادٌ : ابْنُ زِيَادٍ - عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَبِيهَا الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا ) . قَالَ عَبَّادٌ : ( وَإِنْ قَدُمَ عَهْدُهَا ) .
[3/125]وَرُبَّمَا نَشَأَ عَنْ نِسْبَةِ مَا يَزِيدُهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ مِنَ الْأَنْسَابِ إِثْبَاتُ رَاوٍ لَا وُجُودَ لَهُ كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي سَابِعِ الْفُصُولِ .
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي " أَبِي دَاوُدَ " سَاقَ فِي الْأَذَانِ حَدِيثًا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى بِلَفْظِ : ( وَلَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ ) . فَقَالَ : قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى : ( أَنْ تقُولُوا ) . وَبِلَفْظِ : ( لَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ خَيْرًا ) ؛ فَقَالَ : وَلَمْ يَقُلْ عَمْرٌو : ( لَقَدْ ) .
3 - ( وَقِيلَ : لَا ) يَجُوزُ ( فِي الْخَبَرِ ) يَعْنِي حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً لِمَا تَقَدَّمَ ، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ ، قَالَهُ مَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْخَطِيبُ وَغَيْرُهُمَا .
4 - وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ إِنْ كَانَ مُوجَبُهُ عَمَلًا كَـ ( تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ) . وَ ( خَمْسٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ) .
وَإِنْ كَانَ مُوجَبُهُ عِلْمًا جَازَ ، بَلْ وَفِي الْعَمَلِ أَيْضًا مَا يَجُوزُ بِالْمَعْنَى ، نَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ .
[3/126]5 - وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الصَّحَابَةِ خَاصَّةً ، لِظُهُورِ الْخَلَلِ فِي اللِّسَانِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ قَبْلَهُمْ ، بِخِلَافِ الصَّحَابَةِ فَهُمْ أَرْبَابُ اللِّسَانِ وَأَعْلَمُ الْخَلْقِ بِالْكَلَامِ . حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي بَابِ الْقَضَاءِ ، بَلْ جَزَمَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الصَّحَابِيِّ ، وَجَعَلَا الْخِلَافَ فِي الصَّحَابِيِّ دُونَ غَيْرِهِ .
6 - وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ . وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُ مُعَاصِرِي الْخَطِيبِ ، وَهُوَ حَفِيدُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي ( أَدَبِ الرِّوَايَةِ ) ، قَالَ : لِأَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا قَيَّدَهُ الْإِسْنَادُ وَجَبَ أَن لَّا يَخْتَلِفَ لَفْظُهُ فَيَدْخُلَهُ الْكَذِبُ .
7 - وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ لِمَنْ يَحْفَظُ اللَّفْظَ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ الَّتِي رُخِّصَ فِيهِ بِسَبَبِهَا ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَحَمَّلَ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى وَعَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا فَلَزِمَهُ أَدَاءُ الْآخَرِ ، لِأَنَّهُ بِتَرْكِهِ يَكُونُ كَاتِمًا لِلْأَحْكَامِ . قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي ( الْحَاوِي ) وَذَهَبَ إِلَيْهِ .
8 - وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ فِي الرِّوَايَةِ وَالتَّبْلِيغِ خَاصَّةً بِخِلَافِ الْإِفْتَاءِ وَالْمُنَاظَرَةِ . قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ ( الْإِحْكَامِ ) .
9 - وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْمُرَادِفِ لَهُ بِخِلَافِهِ بِهِ ، مَعَ اخْتِلَافِ الْأُصُولِيِّينَ فِي مَسْأَلَةٍ قِيلَ : إِنَّ النِّزَاعَ فِي مَسْأَلَتِنَا يَتَفَرَّعُ عَنِ النِّزَاعِ فِيهَا ، وَهِيَ : جَوَازُ إِقَامَةِ كُلٍّ مِنَ الْمُتَرَادِفَيْنِ مُقَامَ الْآخَرِ . عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا التَّفْصِيلُ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ لُغَتِهِ جَازَ ، وَإِلَّا فَلَا .
[3/127]10 - وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ فِي الْمَعْنَى الْغَامِضِ دُونَ الظَّاهِرِ . أَشَارَ إِلَيْهِ الْخَطِيبُ .
وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّ فِي ضَبْطِ الْأَلْفَاظِ وَالْجُمُودِ عَلَيْهَا مَا لَا يَخْفَى مِنَ الْحَرَجِ وَالنَّصَبِ الْمُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيلِ الِانْتِفَاعِ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ ؛ حَتَّى قَالَ الْحَسَنُ : لَوْلَا الْمَعْنَى مَا حَدَّثْنَا .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نُحَدِّثَكُمْ بِالْحَدِيثِ كَمَا سَمِعْنَاهُ مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ .
وَقَالَ وَكِيعٌ : إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْنَى وَاسِعًا فَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ .
وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَإِذَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِرَأْفَتِهِ بِخَلْقِهِ أَنْزَلَ كِتَابَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ مَعْرِفَةً مِنْهُ بِأَنَّ الْحِفْظَ قَدْ يَزِلُّ ، لِتَحِلَّ لَهُمْ قِرَاءَتُهُ وَإِنِ اخْتَلَفَ لَفْظُهُمْ فِيهِ ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي اخْتِلَافِهِمْ إِحَالَةُ مَعْنًى ، كَانَ مَا سِوَى كِتَابِ اللَّهِ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ فِيهِ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ مَا لَمْ يُحِلْ مَعْنَاهُ .
وَسَبَقَهُ لِنَحْوِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : الْقُرْآنُ أَعْظَمُ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَرُخِّصَ أَنْ تقْرَأَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . وَكَذَا قَالَ أَبُو أُوَيْسٍ : سَأَلْنَا الزُّهْرِيَّ عَنِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا يَجُوزُ فِي الْقُرْآنِ ، فَكَيْفَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ ؟ ! إِذَا أَصَبْتَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فَلَمْ تُحِلَّ بِهِ حَرَامًا وَلَمْ تُحَرِّمْ بِهِ حَلَالًا ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .
بَلْ قَالَ مَكْحُولٌ وَأَبُو الْأَزْهَرِ : [3/128]دَخَلْنَا عَلَى وَاثِلَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقُلْنَا لَهُ : حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيهَ وَهْمٌ ولا تزيد وَلَا نِسْيَانٌ ، فَقَالَ : هَلْ قَرَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا ؟ فَقُلْنَا : نَعَمْ ، وَمَا نَحْنُ لَهُ بِحَافِظَيْنِ جِدًّا ، إِنَّا لَنَزِيدُ الْوَاوَ وَالْأَلِفَ وَنَنْقُصُ .
قَالَ : فَهَذَا الْقُرْآنُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ لَا تَأْلُونَهُ حِفْظًا ، وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تَزِيدُونَ فِيهِ وَتَنْقُصُونَ مِنْهُ ، فَكَيْفَ بِأَحَادِيثَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَسَى أَن لَّا نَكُونَ سَمِعْنَاهَا مِنْهُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ! حَسْبُكُمْ إِذَا حَدَّثْنَاكُمْ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى .
وَاحْتَجَّ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَدُوِّهِ فِرْعَوْنَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ ؛ كَقَوْلِهِ : بِشِهَابٍ قَبَسٍ ، وَ بِقَبَسٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ ، وَكَذَلِكَ قَصَصُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَوْلُهُمْ لِقَوْمِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ ، وَإِنَّمَا نَقَلَ إِلَيْنَا ذَلِكَ بِالْمَعْنَى ، وَقَدْ قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ بِـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ، وَقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ، وَاللَّهِ الْوَاحِدِ الصَّمَدِ . فَسَمَّى السُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِالْمَعْنَى .
وَمِنْ أَقْوَى الْحُجَجِ - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا - مَا حَكَى فِيهِ الْخَطِيبُ اتِّفَاقَ الْأُمَّةِ مِنْ جَوَازِ شَرْحِ الشَّرِيعَةِ لِلْعَجَمِ بِلِسَانِهِمْ لِلْعَارِفِ بِهِ ، فَإِذَا جَازَ الْإِبْدَالُ بِلُغَةٍ أُخْرَى فَجَوَازُهُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَوْلَى ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ .
[3/129]وَاسْتَأْنَسُوا لِلْجَوَازِ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ الْحَدِيثَ فَلَا نَقْدِرُ أَنْ نُؤَدِّيَهُ .
فَقَالَ : ( إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا ، وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلَالًا ، وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى ، فَلَا بَأْسَ ) .
وَهُوَ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ لَا يَصِحُّ ، بَلْ ذَكَرَهُ الْجُوزْقَانِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمَوْضُوعَاتِ " ، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ .
وَكَذَا اسْتَأْنَسُوا لَهُ بِمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ ) .
قَالَ : فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ حَتَّى عُرِفَ فِي وُجُوهِهِمْ ، وَقَالُوا : ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْتَ هَذَا وَنَحْنُ نَسْمَعُ مِنْكَ الْحَدِيثَ فَنَزِيدُ وَنَنْقُصُ ، وَنُقَدِّمُ وَنُؤَخِّرُ ) .
فَقَالَ : ( لَمْ أَعْنِ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ عَنَيْتُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ يُرِيدُ عَيْبِي وَشَيْنَ الْإِسْلَامِ ) .
وَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ : إِنَّهُ أَيْضًا حَدِيثٌ بَاطِلٌ ، [3/130]وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ ، اتَّفَقُوا عَلَى تَكْذِيبِهِ ، بَلْ قَالَ صَالِحٌ جَزَرَةُ : إِنَّهُ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ . لَكِنْ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى ، رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي ( مُسْنَدِهِ ) ، وَالْخَطِيبُ فِي ( كِفَايَتِهِ ) ، مَعًا مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَتَمَّ مِنْهُ . وَبِهِ تَعَلَّقَ بَعْضُ الْوَضَّاعِينَ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ هُنَاكَ .
ثُمَّ إِنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُخَالِفُ يَدْفَعُهُ الْقَطْعُ بِنَقْلِ أَحَادِيثَ - كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا - فِي وَقَائِعَ مُتَّحِدَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ مِنْ أَحَدٍ ، بِحَيْثُ كَانَ إِجْمَاعًا ، وَالْقَصْدُ قَطْعًا مَعَ إِيرَادِ اللَّفْظِ إِنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى ، وَهُوَ حَاصِلٌ ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الشَّارِعِ أَبْلَغَ وَأَوْجَزَ ، وَيَكْفِي فِي كَوْنِهِ مَعْنَاهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ .
وَإِلْحَاقُ حَدِيثِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالتَّشَهُّدِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ التَّوْقِيفِيَّاتِ لَا دَلِيلَ لَهُ كَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ .
وَحَدِيثُ ( نَضَّرَ اللَّهُ . . . ) رُبَّمَا يُتَمَسَّكُ بِهِ لِلْجَوَازِ ، لِكَوْنِهِ مَعَ مَا قِيلَ : إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ سِوَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ، رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ : كَـ ( رَحِمَ اللَّهُ ) ، [3/131]وَ ( مَنْ سَمِعَ ) ، وَ ( مَقَالَتِي ) ، وَ ( بَلَّغَهُ ) ، وَ ( أَفْقَهُ ) ، وَ ( لَا فِقْهَ لَهُ ) مَكَانَ ( نَضَّرَ اللَّهُ ) ، وَ ( امْرَءا ) ، وَ ( مِنَّا حَدِيثًا ) ، وَ ( أَدَّاهُ ) ، وَ ( أَوْعَى ) ، وَ ( لَيْسَ بِفَقِيهٍ ) .
لَا سِيَّمَا وَفِيهِ مَا يُرْشِدُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَارِفِ وَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ : ( فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوَعَى مِنْ سَامِعٍ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ وَلَيْسَ بِفَقِيهٍ ، إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ) .
وَأَمَّا حَدِيثُ : ( لَا وَنَبِيِّكَ ) فَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَحَقَّقَ بِالْقَطْعِ أَنَّ الْمَعْنَى فِي اللَّفْظَيْنِ مُتَّحِدٌ ؛ لِأَنَّ الذَّاتَ الْمُحَدَّثَ عَنْهَا وَاحِدَةٌ ، فَالْمُرَادُ يُفْهَمُ بِأَيِ صِفَةٍ وُصِفَ بِهَا الْمَوْصُوفُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَنْعَ لِكَوْنِ أَلْفَاظِ الْأَذْكَارِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي عَشَرَ تَوْقِيفِيَّةً ، وَلَهَا خَصَائِصُ وَأَسْرَارٌ لَا يَدْخُلُهَا الْقِيَاسُ ، فَتَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ .
وَبِالْجُمْلَةِ ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُورِدَ الْأَحَادِيثَ بِأَلْفَاظِهَا كَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْلَمُ وَأَفْضَلُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَغَيْرُهُ ، وَلِذَا كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ - فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - يَتَوَقَّى كَثِيرًا ، وَيُحِبُّ أَنْ يُحَدِّثَ بِالْأَلْفَاظِ .
هَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ تَحَمَّلَ مِنْ غَيْرِ التَّصَانِيفِ .
وَالشَّيْخُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي ( التَّصْنِيفِ ) الْمُدَوَّنِ ( قَطْعًا قَدْ حَظَرَ ) بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ : مَنَعَ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ، وَإِثْبَاتَ لَفْظٍ آخَرَ بَدَلَهُ بِمَعْنَاهُ ، بِدُونِ إِجْرَاءِ خِلَافٍ مِنْهُ ، بَلْ وَلَا عُلِمَ غَيْرُهُ أَجْرَاهُ ، لِكَوْنِ الْمَشَقَّةِ فِي ضَبْطِ الْأَلْفَاظِ وَالْجُمُودِ عَلَيْهَا الَّتِي هي مُعَوَّلُ التَّرْخِيصِ مُنْتَفِيَةً فِي الْكُتُبِ الْمُدَوَّنَةِ ، يَعْنِي كَمَا هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْمَحْكِيِّ فِيهِ الْمَنْعُ لِحَافِظِ اللَّفْظِ ، وَأَيْضًا فَهُوَ إِنْ مَلَكَ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ فَلَيْسَ يَمْلِكُ تَغْيِيرَ تَصْنِيفِ غَيْرِهِ .
[3/132]وَهَذَا قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ اخْتِصَاصُ الْمَنْعِ بِمَا إِذَا رَوَيْنَا التَّصْنِيفَ نَفْسَهُ أَوْ نَسَخْنَاهُ ، أَمَّا إِذَا نَقَلْنَا مِنْهُ إِلَى تَخَارِيجِنَا وَأَجْزَائِنَا فَلَا ، إِذِ التَّصْنِيفُ حِينَئِذٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، وَهُوَ مَالِكٌ لِتَغْيِيرِ اللَّفْظِ . أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَأَقَرَّهُ شَيْخُنَا ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ نَازَعَ الْمُؤَلِّفُ فِيهِ ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَا يَجْرِي عَلَى الِاصْطِلَاحِ ، فَإِنَّ الِاصْطِلَاحَ عَلَى أَنْ لَا تُغَيَّرَ الْأَلْفَاظُ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ إِلَى الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ ، سَوَاءٌ رَوَيْنَا منهَا أَوْ نَقَلْنَا مِنْهَا .
وَوَافَقَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي كَوْنِهِ الِاصْطِلَاحَ ، لَكِنَّ مَيْلَ شَيْخِنَا إِلَى الْجَوَازِ إِذَا قُرِنَ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ : " بِنَحْوِهِ " .
وَيَشْهَدُ لَهُ تَسْوِيَةُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رَابِعِ التَّنْبِيهَاتِ التَّالِيَةِ لِثَانِي أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ .
وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ ، وَالِاسْتِحْبَابُ لِمَنْ رَوَى بِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ .
( وَلْيَرْوِ بِالْأَلْفَاظِ ) الَّتِي سَمِعَ بِهَا مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا ، وبِدُونِ تَقْدِيمٍ وَلَا تَأْخِيرٍ وَلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ لِحَرْفٍ فَأَكْثَرَ ، وَلَا إِبْدَالِ حَرْفٍ أَوْ أَكْثَرَ بِغَيْرِهِ ، وَلَا مُشَدَّدٍ بِمُخَفَّفٍ أَوْ عَكْسِهِ ، ( مَنْ ) تَحَمَّلَ مِنْ غَيْرِ التَّصَانِيفِ مِمَّنْ ( لَا يَعْلَمُ مَدْلُولَهَا ) أَيِ : الْأَلْفَاظِ فِي اللِّسَانِ ، وَمَقَاصِدَهَا ، وَمَا يُحِيلُ مَعْنَاهَا ، وَالْمُحْتَمَلَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَالْمُرَادِفَ مِنْهَا ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ بِتَغْيِيرِهِ مِنَ الْخَلَلِ .
أَلَا تَرَى إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ كَيْفَ أَنْكَرَ عَلَى شُعْبَةَ - مَعَ جَلَالَتِهِ وَإِتْقَانِهِ - رِوَايَتَهُ بِالْمَعْنَى عَنْهُ لِحَدِيثِ النَّهْيِ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ بِلَفْظِ : نهي عَنِ التَّزَعْفُرِ . الدَّالِّ عَلَى الْعُمُومِ ؛ حَيْثُ لَمْ يَفْطِنْ لِمَا فَطِنَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ الَّذِي رِوَايَةُ شُعْبَةَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ ، مِنَ اخْتِصَاصِ النَّهْيِ بِالرِّجَالِ .
( وَأَمَّا غَيْرُهُ ) مِمَّنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيُحَقِّقُهُ فَاخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَأَرْبَابُ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ :
1 - ( فَالْمُعْظَمُ ) مِنْهُمْ ( أَجَازَ ) لَهُ الرِّوَايَةَ ( بِالْمَعْنَى ) إِذَا كَانَ قَاطِعًا أَنَّهُ أَدَّى مَعْنَى اللَّفْظِ الَّذِي بَلَغَهُ ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَرْفُوعُ أَوْ غَيْرُهُ ، كَانَ مُوجِبُهُ الْعِلْمَ أَوِ [3/121]الْعَمَلَ ، وَقَعَ مِنَ الصَّحَابِيِّ أَوِ التَّابِعِيِّ أَوْ غَيْرِهِمَا ، حَفِظَ اللَّفْظَ أَمْ لَا ، صَدَرَ فِي الْإِفْتَاءِ وَالْمُنَاظَرَةِ أَوِ الرِّوَايَةِ ، أَتَى بِلَفْظٍ مُرَادِفٍ لَهُ أَمْ لَا ، كَانَ مَعْنَاهُ غَامِضًا أَوْ ظَاهِرًا ، حَيْثُ لَمْ يَحْتَمِلِ اللَّفْظُ غَيْرَ ذَاكَ الْمَعْنَى وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِرَادَةُ الشَّارِعِ بِهَذَا اللَّفْظِ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ دُونَ التَّجَوُّزِ فِيهِ وَالِاسْتِعَارَةِ ؟
وَجَاءَ الْجَوَازُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَعَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ قَالَ : لَقِيتُ أُنَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ فَاجْتَمَعُوا فِي الْمَعْنَى وَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي اللَّفْظِ ، فَقُلْتُ ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ ؛ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُحِلْ مَعْنَاهُ . حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ حُذَيْفَةُ - رضي الله عنه - : إِنَّا قَوْمٌ عَرَبٌ ، نُورِدُ الْأَحَادِيثَ فَنُقَدِّمُ وَنُؤَخِّرُ . وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : كُنْتُ أَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنْ عَشَرَةٍ ، الْمَعْنَى وَاحِدٌ وَاللَّفْظُ مُخْتَلِفٌ .
وَمِمَّنْ كَانَ يَرْوِي بِالْمَعْنَى مِنَ التَّابِعِينَ : الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ ، بَلْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : إِنَّهُ الَّذِي تشْهَدُ بِهِ أَحْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الْأَوَّلِينَ ، فَكَثِيرًا مَا كَانُوا يَنْقُلُونَ مَعْنًى وَاحِدًا فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ مُعَوَّلَهُمْ كَانَ عَلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ . انْتَهَى .
وَلِانْتِشَارِهِ أَجَابَ مَالِكٌ مَنْ سَأَلَهُ : لِمَ لَمْ تَكْتُبْ عَنِ النَّاسِ وَقَدْ أَدْرَكْتَهُمْ مُتَوَافِرِينَ ؟ بِقَوْلِهِ : لَا أَكْتُبُ إِلَّا عَنْ رَجُلٍ يَعْرِفُ مَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ . وَكَذَا تَخْصِيصُهُ تَرْكُ الْأَخْذِ عَمَّنْ لَهُ فَضْلٌ وَصَلَاحٌ إِذَا كَانَ لَا يَعْرِفُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ بِكَوْنِهِ كَانَ قَبْلَ أَنْ تُدَوَّنَ الْكُتُبُ وَالْحَدِيثُ فِي الصُّدُورِ ؛ لِأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَخْلِطَ فِيمَا يُحَدِّثُ بِهِ .
فِيهِ إِشَارَةٌ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَدِّثُونَ عَلَى الْمَعَانِي ، وَإِلَّا فَلَوْ حَفِظَهُ لَفْظًا لَمَا أَنْكَرَهُ ، وَمِنْ ثَمَّ اشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِيمَنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِلَفْظِ الْمُحَدِّثِ كَوْنَهُ عَاقِلًا لِمَا يُحِيلُ مَعْنَاهُ ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي [3/122]مَعْرِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ : وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ ، وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ ) . فَلَا يَجُوزُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالْإِكْرَاهِ . وَإِنْ كَانَ هُوَ مَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَذْكُرْهُ كَذَلِكَ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ فَيَكِلَ اسْتِنْبَاطَهُ لِلْعُلَمَاءِ .
ثُمَّ جَعَلَا مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي ، وَجَزَمَا بِالْجَوَازِ فِيهِمَا ، وَمَثَّلَا الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ : ( اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ : الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ ) ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَولَ : أَمَرَ بِقَتْلِهِمَا ، وَالنَّهْيَ بِقَوْلِهِ : ( لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ ) ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : نَهَى عَنْ كَذَا وَكَذَا . لِأَنَّ " افْعَلْ " أَمْرٌ ، وَ " لَا تَفْعَلْ " نَهْيٌ .
[3/123]وَنَازَعَهُمَا الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ لَفْظَ " افْعَلْ " لِلْوُجُوبِ ، وَ " لَا تَفْعَلْ لِلتَّحْرِيمِ " ، بِخِلَافِ لَفْظِ الْأَمْرِ وَلَفْظِ النَّهْيِ .
وَفِيهِ نَظَرٌ ، إِذِ " افْعَلْ " وَ " لَا تَفْعَلْ " حَقِيقَةً عِبَارَةٌ عَنْهُمَا .
وَكَذَا عَلَيْهِ - كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ - الْمُبَالَغَةُ فِي التَّوَقِّي وَالتَّحَرِّي خَوْفًا مِنْ إِحَالَةِ الْمَعْنَى الَّذِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْحُكْمُ .
2 - وَقِيلَ : لَا تَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى مُطْلَقًا . قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ . حَتَّى إِنَّ بَعْضَ مَنْ ذَهَبَ لِهَذَا شَدَّدَ فِيهِ أَكْثَرَ التَّشْدِيدِ ، فَلَمْ يُجِزْ تَقْدِيمَ كَلِمَةٍ عَلَى كَلِمَةٍ ، وَلا حَرْفٍ عَلَى آخَرَ ، وَلَا إِبْدَالَ حَرْفٍ بِآخَرَ ، وَلَا زِيَادَةَ حَرْفٍ وَلَا حَذْفَهُ ، فَضْلًا عَنْ أَكْثَرَ ، وَلَا تَخْفِيفَ ثَقِيلٍ ، وَلَا تَثْقِيلَ خَفِيفٍ ، وَلَا رَفْعَ مَنْصُوبٍ ، وَلَا نَصْبَ مَجْرُورٍ أَوْ مَرْفُوعٍ ، وَلَوْ لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، بَلِ اقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى اللَّفْظِ وَلَوْ خَالَفَ اللُّغَةَ الْفَصِيحَةَ .
وَكَذَا لَوْ كَانَ لَحْنًا ، كَمَا بَيَّنَ تَفْصِيلَ هَذَا كُلِّهِ الْخَطِيبُ فِي ( الْكِفَايَةِ ) مِمَّا سَيَأْتِي بَعْضُهُ فِي كُلٍّ مِنَ الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَهُ وَالسَّادِسِ وَالْعَاشِرِ قَرِيبًا ، لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ الدُّخُولِ فِي الْوَعِيدِ حَيْثُ عَزَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفْظًا لَمْ يَقُلْهُ ، وَلِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ، وَاخْتُصِرَ لَهُ الْكَلِامُ اخْتِصَارًا .
وَغَيْرُهُ وَلَوْ كَانَ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ بِأَقْصَى غَايَةٍ لَيْسَ مِثْلَهُ ، بَلْ قَدْ يَظُنُّ تَوْفِيَةَ اللَّفْظِ بِمَعْنَى اللَّفْظِ الْآخَرِ ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَا عُهِدَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ .
[3/124]وَأَيْضًا فَالِاتِّفَاقُ حَاصِلٌ عَلَى وُرُودِ الشَّرْعِ بِأَشْيَاءَ قَصَدَ منهَا الْإِتْيَانَ بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا ، نَحْوَ التَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدِ وَالْأَذَانِ وَالشَّهَادَةِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ بِالْحَدِيثِ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ جَمِيعًا ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ ) . وَرَدُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الَّذِي عَلَّمَهُ مَا يَقُولُهُ عِنْدَ أَخْذِ مَضْجَعِهِ إِذْ قَالَ : وَ " رَسُولِكَ " بِقَوْلِهِ : " لَا ، وَنَبِيِّكَ .
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الْوَاقِعَ ، وَلَكِنْ لَمْ يَتِّفِقْ ذَلِكَ . انْتَهَى .
وَمِمَّنِ اعْتَمَدَهُ مُسْلِمٌ ، فَإِنَّهُ فِي ( صَحِيحِهِ ) يُمَيِّزُ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ حَتَّى فِي حَرْفٍ مِنَ الْمَتْنِ ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ مَعْنًى ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي بَعْضِهِ اخْتِلَافٌ فِي الْمَعْنَى ، وَلَكِنَّهُ خَفِيٌّ لَا يَتَفَطَّنُ لَهُ إِلَّا مَنْ هُوَ فِي الْعِلْمِ بِمَكَانٍ ، بِخِلَافِ الْبُخَارِيِّ ، وَكَذَا سَلَكَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَسَبَقَهُمَا لِذَلِكَ شَيْخُهُمَا أَحْمَدُ .
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَهُ : حدثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ ؛ قَالَا : أَنَا هِشَامٌ - ، قَالَ عَبَّادٌ : ابْنُ زِيَادٍ - عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَبِيهَا الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا ) . قَالَ عَبَّادٌ : ( وَإِنْ قَدُمَ عَهْدُهَا ) .
[3/125]وَرُبَّمَا نَشَأَ عَنْ نِسْبَةِ مَا يَزِيدُهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ مِنَ الْأَنْسَابِ إِثْبَاتُ رَاوٍ لَا وُجُودَ لَهُ كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي سَابِعِ الْفُصُولِ .
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي " أَبِي دَاوُدَ " سَاقَ فِي الْأَذَانِ حَدِيثًا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى بِلَفْظِ : ( وَلَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ ) . فَقَالَ : قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى : ( أَنْ تقُولُوا ) . وَبِلَفْظِ : ( لَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ خَيْرًا ) ؛ فَقَالَ : وَلَمْ يَقُلْ عَمْرٌو : ( لَقَدْ ) .
3 - ( وَقِيلَ : لَا ) يَجُوزُ ( فِي الْخَبَرِ ) يَعْنِي حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً لِمَا تَقَدَّمَ ، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ ، قَالَهُ مَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْخَطِيبُ وَغَيْرُهُمَا .
4 - وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ إِنْ كَانَ مُوجَبُهُ عَمَلًا كَـ ( تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ) . وَ ( خَمْسٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ) .
وَإِنْ كَانَ مُوجَبُهُ عِلْمًا جَازَ ، بَلْ وَفِي الْعَمَلِ أَيْضًا مَا يَجُوزُ بِالْمَعْنَى ، نَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ .
[3/126]5 - وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الصَّحَابَةِ خَاصَّةً ، لِظُهُورِ الْخَلَلِ فِي اللِّسَانِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ قَبْلَهُمْ ، بِخِلَافِ الصَّحَابَةِ فَهُمْ أَرْبَابُ اللِّسَانِ وَأَعْلَمُ الْخَلْقِ بِالْكَلَامِ . حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي بَابِ الْقَضَاءِ ، بَلْ جَزَمَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الصَّحَابِيِّ ، وَجَعَلَا الْخِلَافَ فِي الصَّحَابِيِّ دُونَ غَيْرِهِ .
6 - وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ . وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُ مُعَاصِرِي الْخَطِيبِ ، وَهُوَ حَفِيدُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي ( أَدَبِ الرِّوَايَةِ ) ، قَالَ : لِأَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا قَيَّدَهُ الْإِسْنَادُ وَجَبَ أَن لَّا يَخْتَلِفَ لَفْظُهُ فَيَدْخُلَهُ الْكَذِبُ .
7 - وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ لِمَنْ يَحْفَظُ اللَّفْظَ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ الَّتِي رُخِّصَ فِيهِ بِسَبَبِهَا ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَحَمَّلَ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى وَعَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا فَلَزِمَهُ أَدَاءُ الْآخَرِ ، لِأَنَّهُ بِتَرْكِهِ يَكُونُ كَاتِمًا لِلْأَحْكَامِ . قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي ( الْحَاوِي ) وَذَهَبَ إِلَيْهِ .
8 - وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ فِي الرِّوَايَةِ وَالتَّبْلِيغِ خَاصَّةً بِخِلَافِ الْإِفْتَاءِ وَالْمُنَاظَرَةِ . قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ ( الْإِحْكَامِ ) .
9 - وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْمُرَادِفِ لَهُ بِخِلَافِهِ بِهِ ، مَعَ اخْتِلَافِ الْأُصُولِيِّينَ فِي مَسْأَلَةٍ قِيلَ : إِنَّ النِّزَاعَ فِي مَسْأَلَتِنَا يَتَفَرَّعُ عَنِ النِّزَاعِ فِيهَا ، وَهِيَ : جَوَازُ إِقَامَةِ كُلٍّ مِنَ الْمُتَرَادِفَيْنِ مُقَامَ الْآخَرِ . عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا التَّفْصِيلُ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ لُغَتِهِ جَازَ ، وَإِلَّا فَلَا .
[3/127]10 - وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ فِي الْمَعْنَى الْغَامِضِ دُونَ الظَّاهِرِ . أَشَارَ إِلَيْهِ الْخَطِيبُ .
وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّ فِي ضَبْطِ الْأَلْفَاظِ وَالْجُمُودِ عَلَيْهَا مَا لَا يَخْفَى مِنَ الْحَرَجِ وَالنَّصَبِ الْمُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيلِ الِانْتِفَاعِ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ ؛ حَتَّى قَالَ الْحَسَنُ : لَوْلَا الْمَعْنَى مَا حَدَّثْنَا .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نُحَدِّثَكُمْ بِالْحَدِيثِ كَمَا سَمِعْنَاهُ مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ .
وَقَالَ وَكِيعٌ : إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْنَى وَاسِعًا فَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ .
وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَإِذَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِرَأْفَتِهِ بِخَلْقِهِ أَنْزَلَ كِتَابَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ مَعْرِفَةً مِنْهُ بِأَنَّ الْحِفْظَ قَدْ يَزِلُّ ، لِتَحِلَّ لَهُمْ قِرَاءَتُهُ وَإِنِ اخْتَلَفَ لَفْظُهُمْ فِيهِ ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي اخْتِلَافِهِمْ إِحَالَةُ مَعْنًى ، كَانَ مَا سِوَى كِتَابِ اللَّهِ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ فِيهِ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ مَا لَمْ يُحِلْ مَعْنَاهُ .
وَسَبَقَهُ لِنَحْوِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : الْقُرْآنُ أَعْظَمُ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَرُخِّصَ أَنْ تقْرَأَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . وَكَذَا قَالَ أَبُو أُوَيْسٍ : سَأَلْنَا الزُّهْرِيَّ عَنِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا يَجُوزُ فِي الْقُرْآنِ ، فَكَيْفَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ ؟ ! إِذَا أَصَبْتَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فَلَمْ تُحِلَّ بِهِ حَرَامًا وَلَمْ تُحَرِّمْ بِهِ حَلَالًا ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .
بَلْ قَالَ مَكْحُولٌ وَأَبُو الْأَزْهَرِ : [3/128]دَخَلْنَا عَلَى وَاثِلَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقُلْنَا لَهُ : حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيهَ وَهْمٌ ولا تزيد وَلَا نِسْيَانٌ ، فَقَالَ : هَلْ قَرَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا ؟ فَقُلْنَا : نَعَمْ ، وَمَا نَحْنُ لَهُ بِحَافِظَيْنِ جِدًّا ، إِنَّا لَنَزِيدُ الْوَاوَ وَالْأَلِفَ وَنَنْقُصُ .
قَالَ : فَهَذَا الْقُرْآنُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ لَا تَأْلُونَهُ حِفْظًا ، وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تَزِيدُونَ فِيهِ وَتَنْقُصُونَ مِنْهُ ، فَكَيْفَ بِأَحَادِيثَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَسَى أَن لَّا نَكُونَ سَمِعْنَاهَا مِنْهُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ! حَسْبُكُمْ إِذَا حَدَّثْنَاكُمْ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى .
وَاحْتَجَّ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَدُوِّهِ فِرْعَوْنَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ ؛ كَقَوْلِهِ : بِشِهَابٍ قَبَسٍ ، وَ بِقَبَسٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ ، وَكَذَلِكَ قَصَصُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَوْلُهُمْ لِقَوْمِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ ، وَإِنَّمَا نَقَلَ إِلَيْنَا ذَلِكَ بِالْمَعْنَى ، وَقَدْ قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ بِـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ، وَقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ، وَاللَّهِ الْوَاحِدِ الصَّمَدِ . فَسَمَّى السُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِالْمَعْنَى .
وَمِنْ أَقْوَى الْحُجَجِ - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا - مَا حَكَى فِيهِ الْخَطِيبُ اتِّفَاقَ الْأُمَّةِ مِنْ جَوَازِ شَرْحِ الشَّرِيعَةِ لِلْعَجَمِ بِلِسَانِهِمْ لِلْعَارِفِ بِهِ ، فَإِذَا جَازَ الْإِبْدَالُ بِلُغَةٍ أُخْرَى فَجَوَازُهُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَوْلَى ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ .
[3/129]وَاسْتَأْنَسُوا لِلْجَوَازِ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ الْحَدِيثَ فَلَا نَقْدِرُ أَنْ نُؤَدِّيَهُ .
فَقَالَ : ( إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا ، وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلَالًا ، وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى ، فَلَا بَأْسَ ) .
وَهُوَ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ لَا يَصِحُّ ، بَلْ ذَكَرَهُ الْجُوزْقَانِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمَوْضُوعَاتِ " ، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ .
وَكَذَا اسْتَأْنَسُوا لَهُ بِمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ ) .
قَالَ : فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ حَتَّى عُرِفَ فِي وُجُوهِهِمْ ، وَقَالُوا : ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْتَ هَذَا وَنَحْنُ نَسْمَعُ مِنْكَ الْحَدِيثَ فَنَزِيدُ وَنَنْقُصُ ، وَنُقَدِّمُ وَنُؤَخِّرُ ) .
فَقَالَ : ( لَمْ أَعْنِ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ عَنَيْتُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ يُرِيدُ عَيْبِي وَشَيْنَ الْإِسْلَامِ ) .
وَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ : إِنَّهُ أَيْضًا حَدِيثٌ بَاطِلٌ ، [3/130]وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ ، اتَّفَقُوا عَلَى تَكْذِيبِهِ ، بَلْ قَالَ صَالِحٌ جَزَرَةُ : إِنَّهُ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ . لَكِنْ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى ، رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي ( مُسْنَدِهِ ) ، وَالْخَطِيبُ فِي ( كِفَايَتِهِ ) ، مَعًا مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَتَمَّ مِنْهُ . وَبِهِ تَعَلَّقَ بَعْضُ الْوَضَّاعِينَ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ هُنَاكَ .
ثُمَّ إِنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُخَالِفُ يَدْفَعُهُ الْقَطْعُ بِنَقْلِ أَحَادِيثَ - كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا - فِي وَقَائِعَ مُتَّحِدَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ مِنْ أَحَدٍ ، بِحَيْثُ كَانَ إِجْمَاعًا ، وَالْقَصْدُ قَطْعًا مَعَ إِيرَادِ اللَّفْظِ إِنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى ، وَهُوَ حَاصِلٌ ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الشَّارِعِ أَبْلَغَ وَأَوْجَزَ ، وَيَكْفِي فِي كَوْنِهِ مَعْنَاهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ .
وَإِلْحَاقُ حَدِيثِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالتَّشَهُّدِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ التَّوْقِيفِيَّاتِ لَا دَلِيلَ لَهُ كَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ .
وَحَدِيثُ ( نَضَّرَ اللَّهُ . . . ) رُبَّمَا يُتَمَسَّكُ بِهِ لِلْجَوَازِ ، لِكَوْنِهِ مَعَ مَا قِيلَ : إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ سِوَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ، رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ : كَـ ( رَحِمَ اللَّهُ ) ، [3/131]وَ ( مَنْ سَمِعَ ) ، وَ ( مَقَالَتِي ) ، وَ ( بَلَّغَهُ ) ، وَ ( أَفْقَهُ ) ، وَ ( لَا فِقْهَ لَهُ ) مَكَانَ ( نَضَّرَ اللَّهُ ) ، وَ ( امْرَءا ) ، وَ ( مِنَّا حَدِيثًا ) ، وَ ( أَدَّاهُ ) ، وَ ( أَوْعَى ) ، وَ ( لَيْسَ بِفَقِيهٍ ) .
لَا سِيَّمَا وَفِيهِ مَا يُرْشِدُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَارِفِ وَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ : ( فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوَعَى مِنْ سَامِعٍ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ وَلَيْسَ بِفَقِيهٍ ، إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ) .
وَأَمَّا حَدِيثُ : ( لَا وَنَبِيِّكَ ) فَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَحَقَّقَ بِالْقَطْعِ أَنَّ الْمَعْنَى فِي اللَّفْظَيْنِ مُتَّحِدٌ ؛ لِأَنَّ الذَّاتَ الْمُحَدَّثَ عَنْهَا وَاحِدَةٌ ، فَالْمُرَادُ يُفْهَمُ بِأَيِ صِفَةٍ وُصِفَ بِهَا الْمَوْصُوفُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَنْعَ لِكَوْنِ أَلْفَاظِ الْأَذْكَارِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي عَشَرَ تَوْقِيفِيَّةً ، وَلَهَا خَصَائِصُ وَأَسْرَارٌ لَا يَدْخُلُهَا الْقِيَاسُ ، فَتَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ .
وَبِالْجُمْلَةِ ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُورِدَ الْأَحَادِيثَ بِأَلْفَاظِهَا كَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْلَمُ وَأَفْضَلُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَغَيْرُهُ ، وَلِذَا كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ - فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - يَتَوَقَّى كَثِيرًا ، وَيُحِبُّ أَنْ يُحَدِّثَ بِالْأَلْفَاظِ .
هَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ تَحَمَّلَ مِنْ غَيْرِ التَّصَانِيفِ .
وَالشَّيْخُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي ( التَّصْنِيفِ ) الْمُدَوَّنِ ( قَطْعًا قَدْ حَظَرَ ) بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ : مَنَعَ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ، وَإِثْبَاتَ لَفْظٍ آخَرَ بَدَلَهُ بِمَعْنَاهُ ، بِدُونِ إِجْرَاءِ خِلَافٍ مِنْهُ ، بَلْ وَلَا عُلِمَ غَيْرُهُ أَجْرَاهُ ، لِكَوْنِ الْمَشَقَّةِ فِي ضَبْطِ الْأَلْفَاظِ وَالْجُمُودِ عَلَيْهَا الَّتِي هي مُعَوَّلُ التَّرْخِيصِ مُنْتَفِيَةً فِي الْكُتُبِ الْمُدَوَّنَةِ ، يَعْنِي كَمَا هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْمَحْكِيِّ فِيهِ الْمَنْعُ لِحَافِظِ اللَّفْظِ ، وَأَيْضًا فَهُوَ إِنْ مَلَكَ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ فَلَيْسَ يَمْلِكُ تَغْيِيرَ تَصْنِيفِ غَيْرِهِ .
[3/132]وَهَذَا قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ اخْتِصَاصُ الْمَنْعِ بِمَا إِذَا رَوَيْنَا التَّصْنِيفَ نَفْسَهُ أَوْ نَسَخْنَاهُ ، أَمَّا إِذَا نَقَلْنَا مِنْهُ إِلَى تَخَارِيجِنَا وَأَجْزَائِنَا فَلَا ، إِذِ التَّصْنِيفُ حِينَئِذٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، وَهُوَ مَالِكٌ لِتَغْيِيرِ اللَّفْظِ . أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَأَقَرَّهُ شَيْخُنَا ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ نَازَعَ الْمُؤَلِّفُ فِيهِ ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَا يَجْرِي عَلَى الِاصْطِلَاحِ ، فَإِنَّ الِاصْطِلَاحَ عَلَى أَنْ لَا تُغَيَّرَ الْأَلْفَاظُ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ إِلَى الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ ، سَوَاءٌ رَوَيْنَا منهَا أَوْ نَقَلْنَا مِنْهَا .
وَوَافَقَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي كَوْنِهِ الِاصْطِلَاحَ ، لَكِنَّ مَيْلَ شَيْخِنَا إِلَى الْجَوَازِ إِذَا قُرِنَ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ : " بِنَحْوِهِ " .
وَيَشْهَدُ لَهُ تَسْوِيَةُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رَابِعِ التَّنْبِيهَاتِ التَّالِيَةِ لِثَانِي أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ .