فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

إِذَا قَالَ الشَّيْخُ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ

ج 3
ص 192

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 3 · ص 192

النص

[3/192]الْفَصْلُ الْحَادِيَ عَشَرَ
( إِذَا قَالَ الشَّيْخُ : مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ )
( وَقَوْلُهُ ) أَيِ : الشَّيْخِ الرَّاوِيِ
( مَعْ ) بسكون العين ( حَذْفِ مَتْنٍ ) أَوْرَدَ إِسْنَادَهُ مَا نَصُّهُ : فَذَكَرَ ( مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ يُرِيدُ مَتْنًا قَبْلَهُ ) فَرَغَ مِنْ سِيَاقِهِ ، هَلْ يَسُوغُ إِيرَادُ اللَّفْظِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِالسَّنَدِ الثَّانِي الْمَطْوِيِّ مَتْنُهُ ؟ اخْتُلِفَ فِيهِ ، ( فَالْأَظْهَرُ ) عِنْدَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ كَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ .
( الْمَنْعُ ) لِمَنْ سَمِعَهُ كَذَلِكَ ( مِنْ أَنْ ) بِالنَّقْلِ ( يُكَمِّلَهْ بِسَنَدِ الثَّانِي ) أَيْ : بِالسَّنَدِ الثَّانِي فَقَطْ لِعَدَمِ تَيَقُّنِ تَمَاثُلِهِمَا فِي اللَّفْظِ وَفِي الْقَدْرِ الْمُتَفَاوِتَيْنِ فِيهِ .
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ الْإِفْكِ مِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ وَجَمَاعَةٍ بِطُولِهِ ، ثُمَّ مِنْ حَدِيثِ فُلَيْحٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَقَالَ : مِثْلَهُ مَعَ تَفَاوُتٍ كَثِيرٍ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ حَسْبَمَا عُلِمَ مِنْ خَارِجٍ .
[3/193]وَلِذَا قَالَ شَيْخُنَا : فَكَأَنَّ فُلَيْحًا تَجَوَّزَ فِي قَوْلِهِ : مِثْلَهُ .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ ( صَحِيحِهِ ) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ وَمُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا : ( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا ) . ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، فَوَصَلَهُ بِأَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ ، بَلْ قَالَ : مِثْلَهُ . هَذَا مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَقَعْ لِي مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ إِلَّا بِلَفْظِ ( إِثْمًا ) فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْلِمٌ لَمْ يُشَدِّدْ لِكَوْنِهِ فِي الْمُقَدِّمَةِ ، أَوْ وَقَعَ لَهُ بِلَفْظِهِ .
وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ ، وَفِي أَنَّهُ الْأَظْهَرُ نَظَرٌ إِذَا مَشَيْنَا عَلَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ جَوَازُ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مِثْلَهُ أَنْ يَكُونَ بِعَيْنِ لَفْظِهِ ، لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ [3/194]بِمَعْنَاهُ ، بَلْ هُوَ فِيمَا يَظْهَرُ دَائِرٌ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى لَا سِيَّمَا إِذَا اقْتَرَنَ بِمِثْلِهِ لَفْظُ سَوَاءٍ ، بَلْ هُوَ حِينَئِذٍ أَقْرَبُ إِلَى كَوْنِهِ بِلَفْظِهِ .
وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى الْمَنْعِ شُعْبَةُ ، فَكَانَ لَا يَرَى بِالتَّحْدِيثِ بِهِ عَلَى لَفْظِ الْأَوَّلِ ، وَقَالَ : قَوْلُ الرَّاوِي : فُلَانٌ ، عَنْ فُلَانٍ ، مِثْلَهُ . لَا يُجْزِي ، وَقَوْلُهُ : نَحْوَهُ . شَكٌّ ، أَيْ : فَيَكُونُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ .
وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْهُ قَالَ : مِثْلَهُ وَنَحْوَهُ حَدِيثٌ . أَيْ : غَيْرُ الْأَوَّلِ . وَهُوَ أَصَحُّ مِمَّا جَاءَ مِنْ طَرِيقِ قُرَادٍ أَبِي نُوحٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَزْوَانَ ، عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ : مِثْلَهُ لَيْسَ بِحَدِيثٍ .
ثُمَّ إِنَّ مُقْتَضَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ حَذْفِ الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ مَعَ ذَلِكَ وَإِثْبَاتِهِ . وَلِإِثْبَاتِهِ أَحْوَالٌ : فَتَارَةً يَذْكُرُ الْمَتْنَ عَقِبَ كُلٍّ مِنْهُمَا ، وَتَارَةً يَذْكُرُهُ عَقِبَ ثَانِيهِمَا ، وَتَارَةً يَعْكِسُ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ ، فَيُؤَخِّرُ الْإِسْنَادَ الَّذِي لَهُ اللَّفْظُ ، وَيُرْدِفُهُ بِقَوْلِهِ : مِثْلَهُ .
( وَقِيلَ بَلْ ) يَجُوزُ ( لَهْ ) أَيْ : لِلسَّامِعِ كَذَلِكَ إِكْمَالُهُ ( إِنْ عَرَفَ ) الْمُحَدِّثُ ( الرَّاوِيَ بِالتَّحَفُّظِ وَالضَّبْطِ ) .
وَعَدِّ الْحُرُوفِ ، ( وَالتَّمْيِيزِ لِلتَّلَفُّظِ ) الْوَاقِعِ مِنَ الرُّوَاةِ ، بِحَيْثُ لَا يَحْمِلُ لَفْظَ رَاوٍ عَلَى آخَرَ ، مِثْلَ مُسْلِمٍ صَاحِبِ ( الصَّحِيحِ ) فَإِنَّهُ يَزُولُ الِاحْتِمَالُ حِينَئِذٍ وَإِلَّا فَلَا . حَكَاهَ الْخَطِيبُ فِي ( الْكِفَايَةِ ) عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ .
وَأَسْنَدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ حِبَّانَ قَالَ : وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي : قِيلَ لِأَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ : يُحَدِّثُ الْمُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ ، ثُمَّ يُحَدِّثُ بِآخَرَ فِي أَثَرِهِ فَيَقُولُ : مِثْلَهُ ، يَجُوزُ لِي أَنْ أَقُصَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ فِي هَذَا الْأَخِيرِ الَّذِي قَالَ فِيهِ الْمُحَدِّثُ : مِثْلَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ لَهُ : إِنَّمَا قَالَ الْمُحَدِّثُ : مِثْلَهُ . فَكَيْفَ أَقُصُّ أَنَا الْكَلَامَ فِيهِ ؟ قَالَ : هَذَا جَائِزٌ إِذَا قَالَ : مِثْلَهُ . فَقَصَصْتَ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ فِي هَذَا الْأَخِيرِ لَا بَأْسَ بِهِ .
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ : قَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا كَانَ " مِثْلَهُ " يَعْنِي حَدِيثًا قَدْ [3/195]تَقَدَّمَ ، فَقَالَ : مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ . فَإِنْ شِئْتَ فَحَدِّثْ بِالْمِثْلِ عَلَى لَفْظِ الْأَوَّلِ .
وَقَوَّى الْبُلْقِينِيُّ هَذَا الْقَوْلَ ، وَاسْتَظْهَرَ لَهُ بِأَنَّ الْبَيْهَقِيَّ صَنَعَهُ حَتَّى فِي الْمَوْضِعِ الْمُحْتَمِلِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ أَخْرَجَ فِي ( سُنَنِهِ ) مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثَ : " تَقُولُ الْمَرْأَةُ : أَنْفِقْ عَلَيَّ وَإِلَّا طَلِّقْنِي " .
ثُمَّ خَرَّجَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ : يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا .
ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ .
فَهَذَا مَعَ احْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْمَوْقُوفِ وَأَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْمَرْفُوعِ ، خَرَّجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَفِيهِ لَفْظُ الْمَرْفُوعِ ، فَرَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا أَعْسَرَ الرَّجُلُ بِنَفَقَةِ امْرَأَتِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ) . وَلَمْ يَقَعْ فِي كِتَابِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَلَا فِي كِتَابِ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ إِلَّا بِلَفْظَةِ " مِثْلَهُ " الْمُحْتَمِلَةِ .
انْتَهَى
.
وَحَدِيثُ ( تَقُولُ الْمَرْأَةُ ) فِي " الدَّارَقُطْنِيِّ " مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ [3/196]أَسْلَمَ وَعَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا .
ثُمَّ رَوَى أَثَرًا مَقْطُوعًا مِنْ وَجْهَيْنِ إِلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الرَّجُلِ يَعْجِزُ عَنْ نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ : يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا .
ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ ، قَالَ : مِثْلَهُ . وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ زِيَادَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَثَرِ سَعِيدٍ خَطَأٌ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : مِثْلُهُ أَيْ مِثْلُ الْمَرْفُوعِ ، لِكَوْنِهِمَا مُتَّحِدَيْنِ فِي السَّنَدِ وَالرَّفْعِ .