فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

آدَابُ الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ

ج 3
ص 243

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 3 · ص 243

النص

( وَلَا تَقُمْ ) اسْتِحْبَابًا إِذَا كُنْتَ فِي مَجْلِسِ التَّحْدِيثِ ، سَوَاءٌ كَانَ التَّحْدِيثُ بِلَفْظِكَ أَوْ بِقِرَاءَةِ غَيْرِكَ ، وَلَا الْقَارِئُ أَيْضًا ( لِأَحَدٍ ) إِكْرَامًا لِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطَعَ بِقِيَامٍ .
فَقَدْ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو زَيْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ فِيمَا رُوِّينَاهُ عَنْهُ فِي " جُزْءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْخِرَقِيِّ " : إِذَا قَامَ الْقَارِئُ لِحَدِيثِ الرَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَحَدٍ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ . هَذَا إِذَا لَمْ يَنْضَمَّ لِذَلِكَ مَحَبَّةُ مَنْ يُقَامُ لَهُ فيه ، فَإِن انْضَمَّ إِلَيْهِ ذَلِكَ فَآكَدُ ، بَلْ هُوَ حَرَامٌ لِلتَّرْهِيبِ عَنْهُ .
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَذَّلِ وَغَيْرُهُ بِدَارِ الْمُتَوَكِّلِ ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْمُتَوَكِّلُ [3/243]فَلَمْ يَقُمْ لَهُ أَحْمَدُ خَاصَّةً ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ وَزِيرَهُ فَاعْتَذَرَ عَنْهُ بِسُوءِ بَصَرِهِ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ذَلِكَ .
وَقَالَ لِلْمُتَوَكِّلِ : إِنَّمَا نَزَّهْتُكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ . وَسَاقَ لَهُ حَدِيثَ : ( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) . فَجَاءَ الْمُتَوَكِّلُ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِهِ .
وَكَذَا لَا تَخُصَّ أَحَدًا بِمَجْلِسٍ ، بَلْ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، وَلَا تُقِمْ أَحَدًا لِأَجْلِ أَحَدٍ ، لِحَدِيثِ : ( لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ ، وَلَكِنْ تَوَسَّعُوا ) .
( ولَا تُجْلِسْهُ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا ) .
وَدَخَلَ الْحَيْصُ بَيْصُ الشَّاعِرُ عَلَى الشَّرِيفِ عَلِيِّ بْنِ طَرَّادٍ الْوَزِيرِ ؛ فَقَالَ لَهُ : يَا عَلِيُّ بْنُ طَرَّادٍ ، يَا رَفِيعَ الْعِمَادِ ، يَا خَالِدَ الْأَجْوَادِ ، انْقَضَى الْمَجْلِسُ فَأَيْنَ [3/244]أَجْلِسُ ؟ فَقَالَ الْوَزِيرُ : مَكَانَكَ . فَقَالَ : أَعَلَى قَدْرِي أَمْ عَلَى قَدْرِكَ ؟ فَقَالَ : لَا عَلَى قَدْرِي وَلَا عَلَى قَدْرِكَ ، وَلَكِنْ عَلَى قَدْرِ الْوَقْتِ .
وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إِكْرَامَهُ الْمَشَايِخَ وَالْعُلَمَاءَ وَذَوِي الْأَنْسَابِ ، لِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ إِنْزَالِ كُلٍّ مَنْزِلَتَهُ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى رَبِيعَةَ وَغَيْرِهِ ، فَإِذَا أَتَى ذُو السِّنِّ وَالْفَضْلِ قَالُوا لَهُ : هَاهُنَا . حَتَّى يَجْلِسَ قَرِيبًا مِنْهُمْ . قَالَ : وَكَانَ رَبِيعَةُ رُبَّمَا أَتَاهُ الرَّجُلُ لَيْسَ لَهُ ذَاكَ السِّنَّ ، فَيَقُولُ لَهُ : هَاهُنَا . وَلَا يَرْضَى حَتَّى يُجْلِسَهُ إِلَى جَنْبِهِ ، كَأَنَّهُ يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ لِفَضْلِهِ عِنْدَهُ .
وَلَا تُقَدِّمْ أَحَدًا فِي غَيْرِ نَوْبَتِهِ ، بَلْ تَأَسَّ بِأَبِي جَعْفَرِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ حَيْثُ حَضَرَ إِلَيْهِ الْفَضْلُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْفُرَاتِ ، وَهُوَ ابْنُ الْوَزِيرِ ، وَقَدْ سَبَقَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ الطَّبَرِيُّ لِلرَّجُلِ : أَلَا تَقْرَأُ ؟ فَأَشَارَ الرَّجُلُ إِلَى ابْنِ الْوَزِيرِ ، فَقَالَ لَهُ الطَّبَرِيُّ : إِذَا كَانَتِ النَّوْبَةُ لَكَ ، فَلَا تَكْتَرِثْ بِدِجْلَةَ وَلَا الْفُرَاتِ . انْتَهَى .
وَهَذِهِ - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا - : مِنْ لَطَائِفِ ابْنِ جَرِيرٍ وَبَلَاغَتِهِ ، وَعَدَمِ الْتِفَاتِهِ لِأَبْنَاءِ الدُّنْيَا .
( وَ ) كَذَا لَا تَخُصَّ وَاحِدًا بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ ، بَلْ ( أَقْبِلِ عَلَيْهِمِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ ، جَمِيعًا إِذَا أَمْكَنَ ، فَذَاكَ مُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ : كَانُوا يُحِبُّونَ إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ أَن لَّا يُقْبِلَ عَلَى الْوَاحِدِ فَقَطْ ، وَلَكِنْ لِيَعُمَّهُمْ .
وَعَنْهُ [3/245]أَيْضًا : إنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ .
وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ أَن لَّا تَخُصَّ أَحَدًا بِالتَّحْدِيثِ ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَرَفَّعُ عَنِ الْجُلُوسِ مَعَ مَنْ يَرَاهُ دُونَهُ ، فَضْلًا عَنْ مَجِيئِكَ إِلَيْهِ .
وَقَدْ سَأَلَ الرَّشِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيَّ أَنْ يُحَدِّثَ ابْنَهُ ؛ فَقَالَ : إِذَا جَاءَ مَعَ الْجَمَاعَةِ حَدَّثْنَاهُ .
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ فِيمَا رُوِّينَاهُ مِنْ جِهَةِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيِّ عَنْهُ :
الْعِلْمُ مِنْ شَرْطِهِ لِمَنْ خَدَمَهْ أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ خَدَمَهْ وَوَاجِبٌ صَوْنُهُ عَلَيْهِ كَمَا يَصُونُ فِي النَّاسِ عِرْضَهُ وَدَمَهْ وَلَا تَجْلِسْ فِي الظِّلِّ وَهُمْ فِي الشَّمْسِ ، وَاخْفِضْ صَوْتَكَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَجْلِسِ سَيِّئُ السَّمْعِ .