النص
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ أَنْوَاعٌ لِهَذَا الْقِسْمِ .
( وَاخْتُلِفْ فِي أَهْلِهِ ) أَيْ : أَهْلِ هَذَا الْقِسْمِ الْمَعْرُوفِينَ بِهِ ، أَيُرَدُّ حَدِيثُهُمْ أَمْ لَا ؟
( فَالرَّدُّ ) لَهُمْ ( مُطْلَقًا ) سَوَاءٌ بَيَّنُوا السَّمَاعَ أَمْ لَا ، دَلَّسُوا عَنِ الثِّقَاتِ أَمْ لَا ، ( ثُقِفْ ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا قَافٌ ثُمَّ فَاءٌ ، أَيْ : وُجِدَ - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِلْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ - عَنْ فَرِيقٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ ، حَتَّى بَعْضَ مَنِ احْتَجَّ بِالْمُرْسَلِ .
مُحْتَجِّينَ لِذَلِكَ بِأَنَّ التَّدْلِيسَ نَفْسَهُ جَرْحٌ ; لِمَا فِيهِ مِنَ التُّهْمَةِ وَالْغِشِّ ، حَيْثُ عَدَلَ عَنِ الْكَشْفِ إِلَى الِاحْتِمَالِ ، وَكَذَا التَّشَبُّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ ، حَيْثُ يُوهِمُ السَّمَاعَ لِمَا لَمْ يَسْمَعْهُ ، وَالْعُلُوُّ وَهُوَ عِنْدَهُ بِنُزُولٍ ، الَّذِي قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِنَّهُ أَكْثَرُ قَصْدِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِهِ .
وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الْقَوْلَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الملخص فَقَالَ : [1/322]التَّدْلِيسُ جَرْحٌ ، فَمَنْ ثَبَتَ تَدْلِيسُهُ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ مُطْلَقًا .
قَالَ : وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى أُصُولِ مَالِكٍ .
وَقَيَّدَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " بِمَا إِذَا اسْتُكْشِفَ فَلَمْ يُخْبِرْ بِاسْمِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ ، قَالَ : لِأَنَّ التَّدْلِيسَ تَزْوِيرٌ وَإِيهَامٌ لِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ ، وَذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي صِدْقِهِ ، أَمَّا إِنْ أَخْبَرَ فَلَا .
وَالثَّانِي : الْقَبُولُ مُطْلَقًا ، صَرَّحُوا أَمْ لَا ، حَكَاهُ الْخَطِيبُ فِي " كِفَايَتِهِ " عَنْ خَلْقٍ كَثِيرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ : وَزَعَمُوا أَنَّ نِهَايَةَ أَمْرِهِ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا .
وَالثَّالِثُ - وَعَزَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ - : التَّفْصِيلُ ، فَمَنْ كَانَ لَا يُدَلِّسُ إِلَّا عَنِ الثِّقَاتِ ، كَانَ تَدْلِيسُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَقْبُولًا وَ إِلَّا فَلَا ، قَالَهُ الْبَزَّارُ ، وَبِهِ أَشْعَرَ قَوْلُ ابْنِ الصَّبَّاغِ فِي مُدَلَّسِ الضَّعِيفِ : " يَجِبُ أَلَّا يُقْبَلَ خَبَرُهُ " ، وَبِالتَّفْصِيلِ صَرَّحَ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ .
وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ .
وَجَزَمَ بِهِ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا فِي حَقِّ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَبَالَغَ ابْنُ حِبَّانَ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ : " إِنَّهُ لَا يُوجَدُ لَهُ تَدْلِيسٌ [1/323]قَطُّ ، إِلَّا وُجِدَ بِعَيْنِهِ قَدْ بَيَّنَ سَمَاعَهُ فِيهِ مِنْ ثِقَةٍ " ; يَعْنِي كَمَا قِيلَ فِي سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَلَى مَا مَضَى فِي الْمُرْسَلِ .
وَفِي سُؤَالَاتِ الْحَاكِمِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَدْلِيسِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، فَقَالَ : يُجْتَنَبُ ، وَأَمَّا ابْنُ عُيَيْنَةَ فَإِنَّهُ يُدَلِّسُ عَنِ الثِّقَاتِ ، وَلِذَا قِيلَ :
أَمَّا الْإِمَامُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَقَدَ اغْتَفَرُوا تَدْلِيسَهُ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ
وَمِمَّا وَقَعَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ رَوَى بِالْعَنْعَنَةِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، ثُمَّ تبين حِينَ سُئِلَ أَنَّ بَيْنَهُمَا عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ .
وَتَقَدَّمَ عَنْهُ التَّدْلِيسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِوَاسَطِتَيْنِ فَقَطْ ، لَكِنْ مَعَ حَذْفِ الصِّيغَةِ أَصْلًا .
وَكَذَا قِيلَ فِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ : إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَنَسٍ إِلَّا الْيَسِيرَ ، وَجُلُّ حَدِيثِهِ إِنَّمَا هُوَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْهُ ، وَلَكِنَّهُ يُدَلِّسُهُ .
فَقَالَ الْعَلَائِيُّ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يُحْتَجُّ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ إِلَّا بِمَا صَرَّحَ فِيهِ - : " قَدْ تَبَيَّنَ الْوَاسِطَةُ فِيهَا ، وَهُوَ ثِقَةٌ مُحْتَجٌّ بِهِ " .
وَالرَّابِعُ : إِنْ كَانَ وُقُوعُ التَّدْلِيسِ مِنْهُ نَادِرًا ، قُبِلَتْ عَنْعَنَتُهُ وَنَحْوُهَا ، وَإِلَّا فَلَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ جَوَابِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ ; فَإِنَّ يَعْقُوبَ بْنَ شَيْبَةَ قَالَ : سَأَلْتُهُ عَنِ [1/324]الرَّجُلِ يُدَلِّسُ : أَيَكُونُ حُجَّةً فِيمَا لَمْ يَقُلْ فِيهِ ثنا ؟ فَقَالَ : إِذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ التَّدْلِيسَ فَلَا .
( وَالْأَكْثَرُونَ ) مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ ( قَبِلُوا ) مِنْ حَدِيثِهِمْ ( مَا صَرَّحَا ثِقَاتُهُمْ ) خَاصَّةً ( بِوَصْلِهِ ) كَسَمِعْتُ ، وَثَنَا ، وَشِبْهِهِمَا ; لِأَنَّ التَّدْلِيسَ لَيْسَ كَذِبًا ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْسِينٌ لِظَاهِرِ الْإِسْنَادِ - كَمَا قَالَ الْبَزَّارُ - وَضَرْبٌ مِنَ الْإِيهَامِ بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ ، فَإِذَا صَرَّحَ قَبِلُوهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ ، وَرَدُّوا مَا أَتَى مِنْهُ بِاللَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ ، وَجَعَلُوا حُكْمَهُ حُكْمَ الْمُرْسَلِ وَنَحْوِهِ .
وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ خَامِسُ الْأَقْوَالِ فِيهِمْ ، ( وَصُحِّحَا ) بِبِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ ، أَيْ هَذَا الْقَوْلُ ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْخَطِيبُ وَابْنُ الصَّلَاحِ ، فَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ فَتْحُ أَوَّلِهِ أَيْ : صَحَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ هَذَا الْقَوْلَ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِحِكَايَتِهِ عَنِ الْأَكْثَرِينَ ، وَمِمَّنْ حَكَاهُ الْعَلَائِيُّ .
بَلْ نَفَى ابْنُ الْقَطَّانِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَعِبَارَتُهُ : " إِذَا صَرَّحَ الْمُدَلِّسُ الثِّقَةُ بِالسَّمَاعِ قُبِلَ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ عَنْعَنَ فَفِيهِ الْخِلَافُ " .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : " الْمُدَلِّسُ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ حَتَّى يَقُولَ : ثَنَا أَوْ سَمِعْتُ ، فَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا " .
وَكَأَنَّهُ سَلَفَ النَّوَوِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي حِكَايَتِهِ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ [1/325]الْمُدَلِّسَ لَا يُحْتَجُّ بِخَبَرِهِ إِذَا عَنْعَنَ ، وَلَكِنَّهُ مُتَعَقَّبٌ بِمَا تَقَدَّمَ ، إِلَّا إِنْ قُيِّدَ بِمَنْ لَا يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ ، وَكَذَا يُتَعَقَّبُ نَفْيُ ابْنِ الْقَطَّانِ الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا صَرَّحَ بِمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ وَافَقَ عَلَى حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي الْمُعَنْعَنِ .
وممن ذهب إلى هذا التفصيل الشافعي ، وابن معين ، وابن المديني ، بل وظاهر كلامه قبول عنعنتهم إذا كان التدليس نادرا ، كما حكيته قريبا .
وَ ( فِي ) كُتُبِ ( الصَّحِيحِ ) لِكُلٍّ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا ( عِدَّةٌ ) مِنَ الرُّوَاةِ الْمُدَلِّسِينَ مُخَرَّجٌ لِحَدِيثِهِمْ مِمَّا صَرَّحُوا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ ( كَالْأَعْمَشِ ) مَعَ قَوْلِ مُهَنَّا : سَأَلْتُ أَحْمَدَ : لِمَ كَرِهْتَ مَرَاسِيلَهُ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُبَالِي عَمَّنْ حَدَّثَ .
( وَكَهُشَيْمٍ ) - مُصَغَّرًا - بْنِ بَشِيرٍ - بِالتَّكْبِيرِ - الْوَاسِطِيِّ الْمُتَأَخِّرِ ( بَعْدَهُ ) وَأَحَدِ الْآخِذِينَ عَنْهُ ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : إِنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ كَثِيرًا ، فَمَا قَالَ فِيهِ : أَنَا [1/326]فَهُوَ حُجَّةٌ ، وَإِلَّا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . وَسُئِلَ : مَا يَحْمِلُكَ عَلَى التَّدْلِيسِ ؟ قَالَ : إِنَّهُ أَشْهَى شَيْءٍ .
وَغَيْرِهِمَا كَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، فَإِنَّهُ - كَمَا قَالَ ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا - : ثِقَةٌ ، كَثِيرُ الْحَدِيثِ ، إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا دَلَّسَ عَلَى أَنَسٍ ، وَكَقَتَادَةَ ، ( وَفَتِّشِ ) الصِّحَاحَ ، فَإِنَّكَ تَجِدُ بِهَا التَّخْرِيجَ لِجَمَاعَةٍ كَثِيرِينَ مِمَّا صَرَّحُوا فِيهِ .
بَلْ رُبَّمَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ مُعَنْعَنِهِمْ ، وَلَكِنْ هُوَ - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ - مَحْمُولٌ عَلَى ثُبُوتِ السَّمَاعِ عِنْدَهُمْ فِيهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، إِذَا كَانَ فِي أَحَادِيثِ الْأُصُولِ لَا الْمُتَابَعَاتِ ، تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِمُصَنِّفِيهَا .
ويتأيد بأن البخاري روى في صحيحه عن علي بن المديني عن ابن عيينة ، قال : قال الزهري ، ثم قال بعده عن شيخه : سمعت ابن عيينة مرارا ، فلم أسمعه يذكر الخبر ، وهو من صحيح حديثه .
وعلى كل حال : فالحكم كذلك ، يَعْنِي : وَلَوْ لَمْ نَقِفْ نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ ، لَا فِي الْمُسْتَخْرَجَاتِ ، الَّتِي هِيَ مَظِنَّةٌ لِكَثِيرٍ مِنْهُ ، وَلَا فِي غَيْرِهَا .
وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إِلَى التَّوَقُّفِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَالَ - بَعْدَ تَقْرِيرِ أَنَّ مُعَنْعَنَ الْمُدَلِّسِ كَالْمُنْقَطِعِ مَا نَصُّهُ : وَهَذَا جَارٍ عَلَى الْقِيَاسِ ، إِلَّا أَنَّ الْجَرْيَ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمُحَدِّثِينَ وَتَخْرِيجَاتِهِمْ صَعْبٌ عَسِيرٌ ، يُوجِبُ اطِّرَاحَ كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي صَحَّحُوهَا ; إِذْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْنَا إِثْبَاتُ سَمَاعِ الْمُدَلِّسِ فِيهَا مِنْ شَيْخِهِ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّ الْأَوَّلِينَ اطَّلَعُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ نَحْنُ عَلَيْهِ . وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ . انْتَهَى .
[1/327]وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ : قَوْلُ الْقُطْبِ الْحَلَبِيِّ فِي " الْقَدَحِ الْمُعَلَّى " : " أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُعَنْعَنَاتِ الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ السَّمَاعِ " ، يَعْنِي إِمَّا لِمَجِيئِهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِالتَّصْرِيحِ ، أَوْ لِكَوْنِ الْمُعَنْعِنِ لَا يُدَلِّسُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ أَوْ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ ، أَوْ لِوُقُوعِهَا مِنْ جِهَةِ بَعْضِ النُّقَّادِ الْمُحَقِّقِينَ سَمَاعَ الْمُعَنْعِنِ لَهَا .
وَلِذَا اسْتُثْنِيَ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ الْأَعْمَشُ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ ، وَقَتَادَةُ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ شُعْبَةَ خَاصَّةً عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُ قَالَ : كَفَيْتُكُمْ تَدْلِيسَهُمْ ، فَإِذَا جَاءَ حَدِيثُهُمْ مِنْ طَرِيقه بِالْعَنْعَنَةِ ، حُمِلَ عَلَى السَّمَاعِ جَزْمًا ، وَأَبُو إِسْحَاقَ فَقَطْ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ الْقَطَّانِ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْهُ .
وَأَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ اللَّيْثِ خَاصَّةً عَنْهُ ، وَالثَّوْرِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ الْقَطَّانِ عَنْهُ ، بَلْ قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يُعْرَفُ لَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَلَا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، وَلَا عَنْ مَنْصُورٍ وَلَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْ [1/328]مَشَايِخِهِ تَدْلِيسٌ ، مَا أَقَلَّ تَدْلِيسَهُ ! .
وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا - مِنْ إِطْلَاقِ تَخْرِيجِ أَصْحَابِ الصَّحِيحِ لِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ ، حَيْثُ جَعَلَ مِنْهُمْ قِسْمًا احْتَمَلَ الْأَئِمَّةُ تَدْلِيسَهُ ، وَخَرَّجُوا لَهُ فِي الصَّحِيحِ لِإِمَامَتِهِ ، وَقِلَّةِ تَدْلِيسِهِ فِي جَنْبِ مَا رَوَى كَالثَّوْرِيِّ - يَتَنَزَّلُ عَلَى هَذَا ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ جُعِلَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَنْ كَانَ لَا يُدَلِّسُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ كَابْنِ عُيَيْنَةَ .
وَكَلَامُ الْحَاكِمِ يُسَاعِدُهُ ، فَإِنَّهُ قَالَ : " وَمِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مُخَرَّجٌ حَدِيثُهُمْ فِي الصَّحِيحِ ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَبَحِّرَ فِي هَذَا الْعِلْمِ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا سَمِعُوهُ وَبَيْنَ مَا دَلَّسُوهُ " .
[ قُلْتُ : وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ لِلْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ جَابِرٍ بِالْعَنْعَنَةِ ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِرِوَايَةِ الْأَعْمَشِ لَهُ ، فَقَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ جَابِرٍ ; لِتَتَقَوَّى بِهَا الرِّوَايَةُ الْأُولَى ] .
وَكَذَا يُسْتَثْنَى مِنَ الْخِلَافِ مَنْ أَكْثَرَ التَّدْلِيسَ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَجَاهِيلِ ; كَبَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ ; لِاتِّفَاقِهِمْ - كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا - عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِشَيْءٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ إِلَّا بِمَا صَرَّحُوا بِالسَّمَاعِ فِيهِ .
أَوْ مَنْ ضَعُفَ بِأَمْرٍ آخَرَ سِوَى التَّدْلِيسِ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ حَدِيثُهُمْ مَرْدُودٌ جَزْمًا ، [1/329]وَلَوْ صَرَّحُوا بِالسَّمَاعِ ، إِلَّا إِنْ تُوبِعُوا ، وَلَوْ كَانَ الضَّعْفُ يَسِيرًا كَابْنِ لَهِيعَةَ .
( وَاخْتُلِفْ فِي أَهْلِهِ ) أَيْ : أَهْلِ هَذَا الْقِسْمِ الْمَعْرُوفِينَ بِهِ ، أَيُرَدُّ حَدِيثُهُمْ أَمْ لَا ؟
( فَالرَّدُّ ) لَهُمْ ( مُطْلَقًا ) سَوَاءٌ بَيَّنُوا السَّمَاعَ أَمْ لَا ، دَلَّسُوا عَنِ الثِّقَاتِ أَمْ لَا ، ( ثُقِفْ ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا قَافٌ ثُمَّ فَاءٌ ، أَيْ : وُجِدَ - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِلْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ - عَنْ فَرِيقٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ ، حَتَّى بَعْضَ مَنِ احْتَجَّ بِالْمُرْسَلِ .
مُحْتَجِّينَ لِذَلِكَ بِأَنَّ التَّدْلِيسَ نَفْسَهُ جَرْحٌ ; لِمَا فِيهِ مِنَ التُّهْمَةِ وَالْغِشِّ ، حَيْثُ عَدَلَ عَنِ الْكَشْفِ إِلَى الِاحْتِمَالِ ، وَكَذَا التَّشَبُّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ ، حَيْثُ يُوهِمُ السَّمَاعَ لِمَا لَمْ يَسْمَعْهُ ، وَالْعُلُوُّ وَهُوَ عِنْدَهُ بِنُزُولٍ ، الَّذِي قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِنَّهُ أَكْثَرُ قَصْدِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِهِ .
وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الْقَوْلَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الملخص فَقَالَ : [1/322]التَّدْلِيسُ جَرْحٌ ، فَمَنْ ثَبَتَ تَدْلِيسُهُ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ مُطْلَقًا .
قَالَ : وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى أُصُولِ مَالِكٍ .
وَقَيَّدَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " بِمَا إِذَا اسْتُكْشِفَ فَلَمْ يُخْبِرْ بِاسْمِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ ، قَالَ : لِأَنَّ التَّدْلِيسَ تَزْوِيرٌ وَإِيهَامٌ لِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ ، وَذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي صِدْقِهِ ، أَمَّا إِنْ أَخْبَرَ فَلَا .
وَالثَّانِي : الْقَبُولُ مُطْلَقًا ، صَرَّحُوا أَمْ لَا ، حَكَاهُ الْخَطِيبُ فِي " كِفَايَتِهِ " عَنْ خَلْقٍ كَثِيرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ : وَزَعَمُوا أَنَّ نِهَايَةَ أَمْرِهِ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا .
وَالثَّالِثُ - وَعَزَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ - : التَّفْصِيلُ ، فَمَنْ كَانَ لَا يُدَلِّسُ إِلَّا عَنِ الثِّقَاتِ ، كَانَ تَدْلِيسُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَقْبُولًا وَ إِلَّا فَلَا ، قَالَهُ الْبَزَّارُ ، وَبِهِ أَشْعَرَ قَوْلُ ابْنِ الصَّبَّاغِ فِي مُدَلَّسِ الضَّعِيفِ : " يَجِبُ أَلَّا يُقْبَلَ خَبَرُهُ " ، وَبِالتَّفْصِيلِ صَرَّحَ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ .
وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ .
وَجَزَمَ بِهِ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا فِي حَقِّ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَبَالَغَ ابْنُ حِبَّانَ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ : " إِنَّهُ لَا يُوجَدُ لَهُ تَدْلِيسٌ [1/323]قَطُّ ، إِلَّا وُجِدَ بِعَيْنِهِ قَدْ بَيَّنَ سَمَاعَهُ فِيهِ مِنْ ثِقَةٍ " ; يَعْنِي كَمَا قِيلَ فِي سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَلَى مَا مَضَى فِي الْمُرْسَلِ .
وَفِي سُؤَالَاتِ الْحَاكِمِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَدْلِيسِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، فَقَالَ : يُجْتَنَبُ ، وَأَمَّا ابْنُ عُيَيْنَةَ فَإِنَّهُ يُدَلِّسُ عَنِ الثِّقَاتِ ، وَلِذَا قِيلَ :
أَمَّا الْإِمَامُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَقَدَ اغْتَفَرُوا تَدْلِيسَهُ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ
وَمِمَّا وَقَعَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ رَوَى بِالْعَنْعَنَةِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، ثُمَّ تبين حِينَ سُئِلَ أَنَّ بَيْنَهُمَا عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ .
وَتَقَدَّمَ عَنْهُ التَّدْلِيسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِوَاسَطِتَيْنِ فَقَطْ ، لَكِنْ مَعَ حَذْفِ الصِّيغَةِ أَصْلًا .
وَكَذَا قِيلَ فِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ : إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَنَسٍ إِلَّا الْيَسِيرَ ، وَجُلُّ حَدِيثِهِ إِنَّمَا هُوَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْهُ ، وَلَكِنَّهُ يُدَلِّسُهُ .
فَقَالَ الْعَلَائِيُّ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يُحْتَجُّ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ إِلَّا بِمَا صَرَّحَ فِيهِ - : " قَدْ تَبَيَّنَ الْوَاسِطَةُ فِيهَا ، وَهُوَ ثِقَةٌ مُحْتَجٌّ بِهِ " .
وَالرَّابِعُ : إِنْ كَانَ وُقُوعُ التَّدْلِيسِ مِنْهُ نَادِرًا ، قُبِلَتْ عَنْعَنَتُهُ وَنَحْوُهَا ، وَإِلَّا فَلَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ جَوَابِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ ; فَإِنَّ يَعْقُوبَ بْنَ شَيْبَةَ قَالَ : سَأَلْتُهُ عَنِ [1/324]الرَّجُلِ يُدَلِّسُ : أَيَكُونُ حُجَّةً فِيمَا لَمْ يَقُلْ فِيهِ ثنا ؟ فَقَالَ : إِذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ التَّدْلِيسَ فَلَا .
( وَالْأَكْثَرُونَ ) مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ ( قَبِلُوا ) مِنْ حَدِيثِهِمْ ( مَا صَرَّحَا ثِقَاتُهُمْ ) خَاصَّةً ( بِوَصْلِهِ ) كَسَمِعْتُ ، وَثَنَا ، وَشِبْهِهِمَا ; لِأَنَّ التَّدْلِيسَ لَيْسَ كَذِبًا ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْسِينٌ لِظَاهِرِ الْإِسْنَادِ - كَمَا قَالَ الْبَزَّارُ - وَضَرْبٌ مِنَ الْإِيهَامِ بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ ، فَإِذَا صَرَّحَ قَبِلُوهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ ، وَرَدُّوا مَا أَتَى مِنْهُ بِاللَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ ، وَجَعَلُوا حُكْمَهُ حُكْمَ الْمُرْسَلِ وَنَحْوِهِ .
وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ خَامِسُ الْأَقْوَالِ فِيهِمْ ، ( وَصُحِّحَا ) بِبِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ ، أَيْ هَذَا الْقَوْلُ ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْخَطِيبُ وَابْنُ الصَّلَاحِ ، فَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ فَتْحُ أَوَّلِهِ أَيْ : صَحَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ هَذَا الْقَوْلَ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِحِكَايَتِهِ عَنِ الْأَكْثَرِينَ ، وَمِمَّنْ حَكَاهُ الْعَلَائِيُّ .
بَلْ نَفَى ابْنُ الْقَطَّانِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَعِبَارَتُهُ : " إِذَا صَرَّحَ الْمُدَلِّسُ الثِّقَةُ بِالسَّمَاعِ قُبِلَ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ عَنْعَنَ فَفِيهِ الْخِلَافُ " .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : " الْمُدَلِّسُ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ حَتَّى يَقُولَ : ثَنَا أَوْ سَمِعْتُ ، فَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا " .
وَكَأَنَّهُ سَلَفَ النَّوَوِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي حِكَايَتِهِ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ [1/325]الْمُدَلِّسَ لَا يُحْتَجُّ بِخَبَرِهِ إِذَا عَنْعَنَ ، وَلَكِنَّهُ مُتَعَقَّبٌ بِمَا تَقَدَّمَ ، إِلَّا إِنْ قُيِّدَ بِمَنْ لَا يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ ، وَكَذَا يُتَعَقَّبُ نَفْيُ ابْنِ الْقَطَّانِ الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا صَرَّحَ بِمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ وَافَقَ عَلَى حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي الْمُعَنْعَنِ .
وممن ذهب إلى هذا التفصيل الشافعي ، وابن معين ، وابن المديني ، بل وظاهر كلامه قبول عنعنتهم إذا كان التدليس نادرا ، كما حكيته قريبا .
وَ ( فِي ) كُتُبِ ( الصَّحِيحِ ) لِكُلٍّ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا ( عِدَّةٌ ) مِنَ الرُّوَاةِ الْمُدَلِّسِينَ مُخَرَّجٌ لِحَدِيثِهِمْ مِمَّا صَرَّحُوا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ ( كَالْأَعْمَشِ ) مَعَ قَوْلِ مُهَنَّا : سَأَلْتُ أَحْمَدَ : لِمَ كَرِهْتَ مَرَاسِيلَهُ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُبَالِي عَمَّنْ حَدَّثَ .
( وَكَهُشَيْمٍ ) - مُصَغَّرًا - بْنِ بَشِيرٍ - بِالتَّكْبِيرِ - الْوَاسِطِيِّ الْمُتَأَخِّرِ ( بَعْدَهُ ) وَأَحَدِ الْآخِذِينَ عَنْهُ ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : إِنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ كَثِيرًا ، فَمَا قَالَ فِيهِ : أَنَا [1/326]فَهُوَ حُجَّةٌ ، وَإِلَّا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . وَسُئِلَ : مَا يَحْمِلُكَ عَلَى التَّدْلِيسِ ؟ قَالَ : إِنَّهُ أَشْهَى شَيْءٍ .
وَغَيْرِهِمَا كَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، فَإِنَّهُ - كَمَا قَالَ ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا - : ثِقَةٌ ، كَثِيرُ الْحَدِيثِ ، إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا دَلَّسَ عَلَى أَنَسٍ ، وَكَقَتَادَةَ ، ( وَفَتِّشِ ) الصِّحَاحَ ، فَإِنَّكَ تَجِدُ بِهَا التَّخْرِيجَ لِجَمَاعَةٍ كَثِيرِينَ مِمَّا صَرَّحُوا فِيهِ .
بَلْ رُبَّمَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ مُعَنْعَنِهِمْ ، وَلَكِنْ هُوَ - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ - مَحْمُولٌ عَلَى ثُبُوتِ السَّمَاعِ عِنْدَهُمْ فِيهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، إِذَا كَانَ فِي أَحَادِيثِ الْأُصُولِ لَا الْمُتَابَعَاتِ ، تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِمُصَنِّفِيهَا .
ويتأيد بأن البخاري روى في صحيحه عن علي بن المديني عن ابن عيينة ، قال : قال الزهري ، ثم قال بعده عن شيخه : سمعت ابن عيينة مرارا ، فلم أسمعه يذكر الخبر ، وهو من صحيح حديثه .
وعلى كل حال : فالحكم كذلك ، يَعْنِي : وَلَوْ لَمْ نَقِفْ نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ ، لَا فِي الْمُسْتَخْرَجَاتِ ، الَّتِي هِيَ مَظِنَّةٌ لِكَثِيرٍ مِنْهُ ، وَلَا فِي غَيْرِهَا .
وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إِلَى التَّوَقُّفِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَالَ - بَعْدَ تَقْرِيرِ أَنَّ مُعَنْعَنَ الْمُدَلِّسِ كَالْمُنْقَطِعِ مَا نَصُّهُ : وَهَذَا جَارٍ عَلَى الْقِيَاسِ ، إِلَّا أَنَّ الْجَرْيَ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمُحَدِّثِينَ وَتَخْرِيجَاتِهِمْ صَعْبٌ عَسِيرٌ ، يُوجِبُ اطِّرَاحَ كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي صَحَّحُوهَا ; إِذْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْنَا إِثْبَاتُ سَمَاعِ الْمُدَلِّسِ فِيهَا مِنْ شَيْخِهِ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّ الْأَوَّلِينَ اطَّلَعُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ نَحْنُ عَلَيْهِ . وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ . انْتَهَى .
[1/327]وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ : قَوْلُ الْقُطْبِ الْحَلَبِيِّ فِي " الْقَدَحِ الْمُعَلَّى " : " أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُعَنْعَنَاتِ الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ السَّمَاعِ " ، يَعْنِي إِمَّا لِمَجِيئِهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِالتَّصْرِيحِ ، أَوْ لِكَوْنِ الْمُعَنْعِنِ لَا يُدَلِّسُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ أَوْ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ ، أَوْ لِوُقُوعِهَا مِنْ جِهَةِ بَعْضِ النُّقَّادِ الْمُحَقِّقِينَ سَمَاعَ الْمُعَنْعِنِ لَهَا .
وَلِذَا اسْتُثْنِيَ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ الْأَعْمَشُ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ ، وَقَتَادَةُ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ شُعْبَةَ خَاصَّةً عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُ قَالَ : كَفَيْتُكُمْ تَدْلِيسَهُمْ ، فَإِذَا جَاءَ حَدِيثُهُمْ مِنْ طَرِيقه بِالْعَنْعَنَةِ ، حُمِلَ عَلَى السَّمَاعِ جَزْمًا ، وَأَبُو إِسْحَاقَ فَقَطْ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ الْقَطَّانِ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْهُ .
وَأَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ اللَّيْثِ خَاصَّةً عَنْهُ ، وَالثَّوْرِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ الْقَطَّانِ عَنْهُ ، بَلْ قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يُعْرَفُ لَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَلَا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، وَلَا عَنْ مَنْصُورٍ وَلَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْ [1/328]مَشَايِخِهِ تَدْلِيسٌ ، مَا أَقَلَّ تَدْلِيسَهُ ! .
وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا - مِنْ إِطْلَاقِ تَخْرِيجِ أَصْحَابِ الصَّحِيحِ لِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ ، حَيْثُ جَعَلَ مِنْهُمْ قِسْمًا احْتَمَلَ الْأَئِمَّةُ تَدْلِيسَهُ ، وَخَرَّجُوا لَهُ فِي الصَّحِيحِ لِإِمَامَتِهِ ، وَقِلَّةِ تَدْلِيسِهِ فِي جَنْبِ مَا رَوَى كَالثَّوْرِيِّ - يَتَنَزَّلُ عَلَى هَذَا ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ جُعِلَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَنْ كَانَ لَا يُدَلِّسُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ كَابْنِ عُيَيْنَةَ .
وَكَلَامُ الْحَاكِمِ يُسَاعِدُهُ ، فَإِنَّهُ قَالَ : " وَمِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مُخَرَّجٌ حَدِيثُهُمْ فِي الصَّحِيحِ ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَبَحِّرَ فِي هَذَا الْعِلْمِ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا سَمِعُوهُ وَبَيْنَ مَا دَلَّسُوهُ " .
[ قُلْتُ : وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ لِلْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ جَابِرٍ بِالْعَنْعَنَةِ ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِرِوَايَةِ الْأَعْمَشِ لَهُ ، فَقَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ جَابِرٍ ; لِتَتَقَوَّى بِهَا الرِّوَايَةُ الْأُولَى ] .
وَكَذَا يُسْتَثْنَى مِنَ الْخِلَافِ مَنْ أَكْثَرَ التَّدْلِيسَ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَجَاهِيلِ ; كَبَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ ; لِاتِّفَاقِهِمْ - كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا - عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِشَيْءٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ إِلَّا بِمَا صَرَّحُوا بِالسَّمَاعِ فِيهِ .
أَوْ مَنْ ضَعُفَ بِأَمْرٍ آخَرَ سِوَى التَّدْلِيسِ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ حَدِيثُهُمْ مَرْدُودٌ جَزْمًا ، [1/329]وَلَوْ صَرَّحُوا بِالسَّمَاعِ ، إِلَّا إِنْ تُوبِعُوا ، وَلَوْ كَانَ الضَّعْفُ يَسِيرًا كَابْنِ لَهِيعَةَ .