تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَّحْمَنِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ "

ج 23
ص 27

الآية المفسَّرة

رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 23 · ص 27

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 18 ) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ( 19 ) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ ( 20 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 21 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ذَلِكُمْ أَيُّهَا الثَّقْلَانِ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ يَعْنِي بِالْمَشْرِقَيْنِ : مَشْرِقَ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ ، وَمَشْرِقَهَا فِي الصَّيْفِ . [23/28]
وَقَوْلُهُ : وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يَعْنِي : وَرَبُّ مَغْرِبِ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ ، وَمَغْرِبِهَا فِي الصَّيْفِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى قَوْلَهُ : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ قَالَ : مَشَارِقُ الصَّيْفِ وَمَغَارِبُ الصَّيْفِ ، مَشْرِقَانِ تَجْرِي فِيهِمَا الشَّمْسُ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ فِي سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةِ بُرْجٍ ، لِكُلِّ بُرْجٍ مَطْلَعٌ ، لَا تَطَلُعُ يَوْمَيْنِ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ . وَفِي الْمَغْرِبِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ بُرْجٍ ، لِكُلِّ بُرْجٍ مَغِيبٌ ، لَا تَغِيبُ يَوْمَيْنِ فِي بُرْجٍ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ قَالَ : مُشْرِقُ الشِّتَاءِ وَمَغْرِبُهُ ، وَمَشْرِقُ الصَّيْفِ وَمَغْرِبُهُ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ فَمَشْرِقُهَا فِي الشِّتَاءِ ، وَمَشْرِقُهَا فِي الصَّيْفِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ : ثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ قَالَ : مُشْرِقُ الشِّتَاءِ وَمَغْرِبُهُ ، وَمَشْرِقُ الصَّيْفِ وَمَغْرِبُهُ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ : ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ قَالَ : أَقْصَرُ مَشْرِقٍ فِي السَّنَةِ ، وَأَطْوَلُ مَشْرِقٍ فِي السَّنَةِ ، وَأَقْصَرُ مَغْرِبٍ فِي السَّنَةِ ، وَأَطْوَلُ مَغْرِبٍ فِي السَّنَةِ .
وَقَوْلُهُ : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَقُولُ : فَبِأَيِّ نِعَمِ رَبِّكُمَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكُمْ - مِنْ تَسْخِيرِهِ الشَّمْسَ لَكُمْ فِي هَذَيْنِ [23/29]الْمَشْرِقَيْنِ وَالْمَغْرِبَيْنِ تَجْرِي لَكُمَا دَائِبَةً بِمَرَافِقِكُمَا ، وَمَصَالِحِ دُنْيَاكُمَا وَمَعَايِشِكُمَا - تُكَذِّبَانِ .
وَقَوْلُهُ : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مَرَجَ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( مَرَجَ ) : أَرْسَلَ وَخَلَّى . مِنْ قَوْلِهِمْ : مَرَجَ فُلَانٌ دَابَّتَهُ : إِذَا خَلَّاهَا وَتَرَكَهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَقُولُ : أَرْسَلَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْبَحْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، أَيُّ الْبَحْرِينِ هُمَا ؟ فَقَالَ : بَعْضُهُمْ : هُمَا بَحْرَانِ : أَحَدُهُمَا فِي السَّمَاءِ ، وَالْآخَرُ فِي الْأَرْضِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ قَالَ : بَحْرٌ فِي السَّمَاءِ ، وَبَحْرٌ فِي الْأَرْضِ .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ قَالَ : بَحْرٌ فِي السَّمَاءِ ، وَبَحْرٌ فِي الْأَرْضِ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ قَالَ : بَحْرٌ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يَلْتَقِيَانِ كُلَّ عَامٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ بَحْرُ فَارِسَ (مكان)وَبَحْرُ الرُّومِ (مكان). [23/30]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى مُصْعَبٍ ، عَنِ الْحَسَنِ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ قَالَ : بَحْرُ الرُّومِ ، (مكان)وَبَحْرُ فَارِسَ (مكان)وَالْيَمَنِ (مكان).
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَالْبَحْرَانِ : بَحْرُ فَارِسَ ، (مكان)وَبَحْرُ الرُّومِ (مكان).
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ قَالَ : بَحْرُ فَارِسَ (مكان)وَبَحْرُ الرُّومِ (مكان).
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِهِ بَحْرُ السَّمَاءِ ، وَبَحْرُ الْأَرْضِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ، وَاللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَصْدَافِ بَحْرِ الْأَرْضِ عَنْ قَطْرِ مَاءِ السَّمَاءِ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ بَحْرُ الْأَرْضِ وَبَحْرُ السَّمَاءِ .
وَقَوْلُهُ : بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ وَبُعْدٌ ، لَا يُفْسِدُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيَبْغِي بِذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهُوَ بَرْزَخٌ عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَمَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَرْزَخٌ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ : لَا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ .
قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : ثَنَا فِطْرٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ قَالَ : بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنَ اللَّهِ ، لَا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ .
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ يَقُولُ : حَاجِزٌ . [23/31]
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ وَالْبَرْزَخُ : هَذِهِ الْجَزِيرَةُ ، هَذَا الْيَبَسُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : الْبَرْزَخُ الَّذِي بَيْنَهُمَا : الْأَرْضُ الَّتِي بَيْنَهُمَا .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ : ثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ ، عَنْ قَتَادَةَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ قَالَ : حُجِزَ الْمَالِحُ عَنِ الْعَذْبِ ، وَالْعَذْبُ عَنِ الْمَالِحِ ، وَالْمَاءُ عَنِ الْيَبَسِ ، وَالْيَبَسُ عَنِ الْمَاءِ ، فَلَا يَبْغِي بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ بِقُوَّتِهِ وَلُطْفِهِ وَقُدْرَتِهِ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ قَالَ : مَنَعَهُمَا أَنْ يَلْتَقِيَا بِالْبَرْزَخِ الَّذِي جُعِلَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْأَرْضِ . قَالَ : وَالْبَرْزَخُ بُعْدُ الْأَرْضِ الَّذِي جُعِلَ بَيْنَهُمَا .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ( لَا يَبْغِيَانِ ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى ( لَا يَبْغِيَانِ ) : لَا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ .
قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : ثَنَا فِطْرٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ : ثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِطَانِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ [23/32]أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : ( لَا يَبْغِيَانِ ) قَالَ : لَا يَخْتَلِطَانِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا يَبْغِيَانِ عَلَى الْيَبَسِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : ( لَا يَبْغِيَانِ ) : عَلَى الْيَبَسِ ، وَمَا أَخَذَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَهُوَ بَغْيٌ ، فَحَجَزَ أَحَدَهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِقُدْرَتِهِ وَلُطْفِهِ وَجَلَالِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : لَا يَبْغِيَانِ أَنْ يَلْتَقِيَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ( لَا يَبْغِيَانِ ) قَالَ : لَا يَبْغِي أَحَدُهُمَا أَنْ يَلْتَقِيَ مَعَ صَاحِبِهِ .
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ وَصَفَ الْبَحْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمَا لَا يَبْغِيَانِ ، وَلَمْ يُخَصِّصْ وَصْفَهُمَا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ ، بَلْ عَمَّ الْخَبَرَ عَنْهُمَا بِذَلِكَ ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُعَمَّ كَمَا عَمَّ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - فَيُقَالُ : إِنَّهُمَا لَا يَبْغِيَانِ عَلَى شَيْءٍ ، وَلَا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، وَلَا يَتَجَاوَزَانِ حَدَّ اللَّهِ الَّذِي حَدَّهُ لَهُمَا .
وَقَوْلُهُ : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَبِأَيِّ نِعَمِ اللَّهِ رَبِّكُمَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ تُكَذِّبَانِ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ مِنْ مَرْجِهِ الْبَحْرَيْنِ ، حَتَّى جَعَلَ لَكُمْ بِذَلِكَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا كَذَلِكَ .