النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ( 96 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " فَالِقُ الْإِصْبَاحِ " شَاقٌّ عَمُودَ الصُّبْحِ عَنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَسَوَادِهِ .
وَ " الْإِصْبَاحُ " مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " أَصْبَحْنَا إِصْبَاحًا " . [11/555]
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13595 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ " قَالَ : إِضَاءَةُ الصُّبْحِ .
13596 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ " قَالَ : إِضَاءَةُ الْفَجْرِ .
13597 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهَ .
13598 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ " قَالَ : فَالِقُ الصُّبْحِ .
13599 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ " يَعْنِي بِالْإِصْبَاحِ ، ضَوْءَ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ ، وَضَوْءَ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ .
13600 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ " قَالَ : فَالِقُ الصُّبْحِ .
13601 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ مَرَّةً بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَقَالَ فِي قَوْلِهِ : " فَالِقُ الْإِصْبَاحِ " قَالَ : إِضَاءَةُ الصُّبْحِ .
13602 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ " قَالَ : فَلَقَ الْإِصْبَاحَ عَنِ اللَّيْلِ .
13603 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ " يَقُولُ : خَالِقُ النُّورِ ، نُورِ النَّهَارِ . [11/556]
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : خَالِقُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13604 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا ) ، يَقُولُ : خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ .
وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : فَالِقُ الْأَصْبَاحِ ، بِفَتْحِ الْأَلِفِ ، كَأَنَّهُ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى جَمْعِ " صُبْحٍ " كَأَنَّهُ أَرَادَ صُبْحَ كُلِّ يَوْمٍ ، فَجَعَلَهُ " أَصْبَاحًا " وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ سِوَاهُ أَنَّهُ قَرَأَ كَذَلِكَ . وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا نَسْتَجِيزُ تَعَدِّيهَا ، بِكَسْرِ الْأَلِفِ : فَالِقُ الإِصْبَاحِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقَرَأَةِ وَأَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ وَرَفْضِ خِلَافِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا " فَإِنَّ الْقَرَأَةَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ .
فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ (مكان)وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : ( وَجَاعِلُ اللَّيْلِ ) بِالْأَلِفِ عَلَى لَفْظِ الِاسْمِ ، وَرَفَعَهُ عَطْفًا عَلَى " فَالِقُ " وَخَفْضِ " اللَّيْلِ " بِإِضَافَةِ " جَاعِلُ " إِلَيْهِ ، وَنَصْبِ " الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ " عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ " اللَّيْلَ " لِأَنَّ " اللَّيْلَ " وَإِنْ كَانَ مَخْفُوضًا فِي اللَّفْظِ ، فَإِنَّهُ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ ، لِأَنَّهُ مَفْعُولُ " جَاعِلُ " . وَحَسُنَ عَطَفَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى " اللَّيْلِ " لَا عَلَى لَفْظِهِ ، لِدُخُولِ قَوْلِهِ : " سَكَنًا " بَيْنَهُ وَبَيْنَ " اللَّيْلِ " قَالَ الشَّاعِرُ :
قُعُوداً لَدَى الْأَبْوَابِ طُلَّابَ حَاجَةٍ عَوَانٍ مِنَ الْحَاجَاتِ أَوْ حَاجَةً بِكْرًا [11/557]
فَنَصَبَ " الْحَاجَةَ " الثَّانِيَةَ ، عَطْفًا بِهَا عَلَى مَعْنَى " الْحَاجَةِ " الْأُولَى ، لَا عَلَى لَفْظِهَا ، لِأَنَّ مَعْنَاهَا النَّصْبُ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي اللَّفْظِ خَفْضًا . وَقَدْ يَجِيءُ مِثْلَ هَذَا أَيْضًا مَعْطُوفًا بِالثَّانِي عَلَى مَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ لَا عَلَى لَفْظِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ :
بَيْنَا نَحْنُ نَنْظُرْهُ أَتَانَا مُعلِّقَ شِكْوَةٍ وَزِنادَ رَاعِ
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ ، عَلَى " فَعَلَ " بِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمَاضِي ، وَنَصَبَ " اللَّيْلَ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ ، مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى ، غَيْرُ مُخْتَلِفَتَيْهِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ فِي الْإِعْرَابِ وَالْمَعْنَى .
وَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ، لِأَنَّهُ يَسْكُنُ فِيهِ كُلُّ مُتَحَرِّكٍ بِالنَّهَارِ ، وَيَهْدَأُ فِيهِ ، فَيَسْتَقِرُّ فِي مَسْكَنِهِ وَمَأْوَاهُ .
[11/558]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ :
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَجْرِيَانِ فِي أَفْلَاكِهِمَا بِحِسَابٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13605 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " يَعْنِي : عَدَدَ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ .
13606 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " قَالَ : يَجْرِيَانِ إِلَى أَجَلٍ جُعِلَ لَهُمَا .
13607 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " يَقُولُ : بِحِسَابٍ .
13608 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " قَالَ : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فِي حِسَابٍ ، فَإِذَا خَلَتْ أَيَّامُهُمَا فَذَاكَ آخِرُ الدَّهْرِ ، وَأَوَّلُ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ " ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ " .
13609 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " قَالَ : يَدُورَانِ فِي حِسَابٍ .
13610 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ [11/559]ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا قَالَ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ سُورَةُ يس : 40 ] ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [ سُورَةُ الرَّحْمَنِ : 5 ] .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ضِيَاءً .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13611 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " أَيْ ضِيَاءً .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ ، تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ : وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ وَعَدَدٍ لِبُلُوغِ أَمْرِهِمَا وَنِهَايَةِ آجَالِهِمَا ، وَيَدُورَانِ لِمَصَالِحِ الْخَلْقِ الَّتِي جُعِلَا لَهَا .
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ذَكَرَ قَبْلَهُ أَيَادِيَهُ عِنْدَ خَلْقِهِ ، وَعِظَمِ سُلْطَانِهِ ، بِفَلْقِهِ الْإِصْبَاحَ لَهُمْ ، وَإِخْرَاجِ النَّبَاتِ وَالْغِرَاسِ مِنَ الْحَبِّ وَالنَّوَى ، وَعَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ خَلْقَ النُّجُومِ لِهِدَايَتِهِمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ . فَكَانَ وَصْفُهُ إِجْرَاءَهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لِمَنَافِعِهِمْ ، أَشْبَهَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ ذِكْرِ إِضَاءَتِهِمَا ، لِأَنَّهُ قَدْ وَصَفَ ذَلِكَ قَبْلُ بَقَوْلِهِ : " فَالِقُ الْإِصْبَاحِ " فَلَا مَعْنَى لِتَكْرِيرِهِ مَرَّةً أُخْرَى فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ لِغَيْرِ مَعْنَى .
وَ " الْحُسْبَانُ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ جَمْعُ " حِسَابٍ " كَمَا " الشُّهْبَانُ " جَمْعُ شِهَابٍ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ " الْحُسْبَانَ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " حَسَبْتُ الْحِسَابَ أَحْسُبُهُ حِسَابًا وَحُسْبَانًا " . وَحُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ : " عَلَى اللَّهِ حُسْبَانَ فُلَانٍ وَحِسْبَتُهُ " أَيْ : حِسَابُهُ . [11/560]
وَأَحْسَبُ أَنَّ قَتَادَةَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِمَعْنَى الضِّيَاءِ ، ذَهَبَ إِلَى شَيْءٍ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 40 ] . قَالَ : نَارًا ، فَوَجْهُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " إِلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ . وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي شَيْءٍ .
وَأَمَّا " الْحِسْبَانُ " بِكَسْرِ " الْحَاءِ " فَإِنَّهُ جَمْعُ " الْحِسْبَانَةِ " وَهِيَ الْوِسَادَةُ الصَّغِيرَةُ ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْأَوَّلَيْنِ أَيْضًا فِي شَيْءٍ . يُقَالُ : " حَسَّبْتُهُ " أَجْلَسْتُهُ عَلَيْهَا .
وَنُصِبَ قَوْلُهُ : " حُسْبَانًا " بِقَوْلِهِ : " وَجَعَلَ " .
وَكَانَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ يَقُولُ : مَعْنَاهُ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " أَيْ : بِحِسَابٍ ، فَحَذَفَ " الْبَاءَ " كَمَا حَذَفَهَا مِنْ قَوْلِهِ : " هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ " [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 117 ] ، أَيْ : أَعْلَمُ بِمَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 96 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَهَذَا الْفِعْلُ الَّذِي وَصَفَهُ أَنَّهُ فَعَلَهُ ، وَهُوَ فَلْقُهُ الْإِصْبَاحَ ، وَجَعْلُهُ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ، تَقْدِيرُ الَّذِي عَزَّ سُلْطَانُهُ ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَرَادَهُ بِسُوءٍ وَعِقَابٍ أَوِ انْتِقَامٍ ، مِنَ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ " الْعَلِيمِ " بِمَصَالِحِ خَلْقِهِ وَتَدْبِيرِهِمْ لَا تَقْدِيرُ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ ، وَلَا تَفْقَهُ شَيْئًا وَلَا تَعْقِلُهُ ، وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَإِنْ أُرِيدَتْ بِسُوءٍ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى [11/561]الِامْتِنَاعِ مِنْهُ مِمَّنْ أَرَادَهَا . يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَخْلِصُوا ، أَيُّهَا الْجَهَلَةُ ، عِبَادَتَكُمْ لِفَاعِلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، وَلَا تُشْرِكُوا فِي عِبَادَتِهِ شَيْئًا غَيْرَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " فَالِقُ الْإِصْبَاحِ " شَاقٌّ عَمُودَ الصُّبْحِ عَنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَسَوَادِهِ .
وَ " الْإِصْبَاحُ " مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " أَصْبَحْنَا إِصْبَاحًا " . [11/555]
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13595 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ " قَالَ : إِضَاءَةُ الصُّبْحِ .
13596 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ " قَالَ : إِضَاءَةُ الْفَجْرِ .
13597 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهَ .
13598 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ " قَالَ : فَالِقُ الصُّبْحِ .
13599 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ " يَعْنِي بِالْإِصْبَاحِ ، ضَوْءَ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ ، وَضَوْءَ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ .
13600 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ " قَالَ : فَالِقُ الصُّبْحِ .
13601 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ مَرَّةً بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَقَالَ فِي قَوْلِهِ : " فَالِقُ الْإِصْبَاحِ " قَالَ : إِضَاءَةُ الصُّبْحِ .
13602 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ " قَالَ : فَلَقَ الْإِصْبَاحَ عَنِ اللَّيْلِ .
13603 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " فَالِقُ الإِصْبَاحِ " يَقُولُ : خَالِقُ النُّورِ ، نُورِ النَّهَارِ . [11/556]
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : خَالِقُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13604 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا ) ، يَقُولُ : خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ .
وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : فَالِقُ الْأَصْبَاحِ ، بِفَتْحِ الْأَلِفِ ، كَأَنَّهُ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى جَمْعِ " صُبْحٍ " كَأَنَّهُ أَرَادَ صُبْحَ كُلِّ يَوْمٍ ، فَجَعَلَهُ " أَصْبَاحًا " وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ سِوَاهُ أَنَّهُ قَرَأَ كَذَلِكَ . وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا نَسْتَجِيزُ تَعَدِّيهَا ، بِكَسْرِ الْأَلِفِ : فَالِقُ الإِصْبَاحِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقَرَأَةِ وَأَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ وَرَفْضِ خِلَافِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا " فَإِنَّ الْقَرَأَةَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ .
فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ (مكان)وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : ( وَجَاعِلُ اللَّيْلِ ) بِالْأَلِفِ عَلَى لَفْظِ الِاسْمِ ، وَرَفَعَهُ عَطْفًا عَلَى " فَالِقُ " وَخَفْضِ " اللَّيْلِ " بِإِضَافَةِ " جَاعِلُ " إِلَيْهِ ، وَنَصْبِ " الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ " عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ " اللَّيْلَ " لِأَنَّ " اللَّيْلَ " وَإِنْ كَانَ مَخْفُوضًا فِي اللَّفْظِ ، فَإِنَّهُ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ ، لِأَنَّهُ مَفْعُولُ " جَاعِلُ " . وَحَسُنَ عَطَفَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى " اللَّيْلِ " لَا عَلَى لَفْظِهِ ، لِدُخُولِ قَوْلِهِ : " سَكَنًا " بَيْنَهُ وَبَيْنَ " اللَّيْلِ " قَالَ الشَّاعِرُ :
قُعُوداً لَدَى الْأَبْوَابِ طُلَّابَ حَاجَةٍ عَوَانٍ مِنَ الْحَاجَاتِ أَوْ حَاجَةً بِكْرًا [11/557]
فَنَصَبَ " الْحَاجَةَ " الثَّانِيَةَ ، عَطْفًا بِهَا عَلَى مَعْنَى " الْحَاجَةِ " الْأُولَى ، لَا عَلَى لَفْظِهَا ، لِأَنَّ مَعْنَاهَا النَّصْبُ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي اللَّفْظِ خَفْضًا . وَقَدْ يَجِيءُ مِثْلَ هَذَا أَيْضًا مَعْطُوفًا بِالثَّانِي عَلَى مَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ لَا عَلَى لَفْظِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ :
بَيْنَا نَحْنُ نَنْظُرْهُ أَتَانَا مُعلِّقَ شِكْوَةٍ وَزِنادَ رَاعِ
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ ، عَلَى " فَعَلَ " بِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمَاضِي ، وَنَصَبَ " اللَّيْلَ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ ، مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى ، غَيْرُ مُخْتَلِفَتَيْهِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ فِي الْإِعْرَابِ وَالْمَعْنَى .
وَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ، لِأَنَّهُ يَسْكُنُ فِيهِ كُلُّ مُتَحَرِّكٍ بِالنَّهَارِ ، وَيَهْدَأُ فِيهِ ، فَيَسْتَقِرُّ فِي مَسْكَنِهِ وَمَأْوَاهُ .
[11/558]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ :
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَجْرِيَانِ فِي أَفْلَاكِهِمَا بِحِسَابٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13605 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " يَعْنِي : عَدَدَ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ .
13606 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " قَالَ : يَجْرِيَانِ إِلَى أَجَلٍ جُعِلَ لَهُمَا .
13607 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " يَقُولُ : بِحِسَابٍ .
13608 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " قَالَ : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فِي حِسَابٍ ، فَإِذَا خَلَتْ أَيَّامُهُمَا فَذَاكَ آخِرُ الدَّهْرِ ، وَأَوَّلُ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ " ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ " .
13609 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " قَالَ : يَدُورَانِ فِي حِسَابٍ .
13610 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ [11/559]ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا قَالَ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ سُورَةُ يس : 40 ] ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [ سُورَةُ الرَّحْمَنِ : 5 ] .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ضِيَاءً .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13611 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " أَيْ ضِيَاءً .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ ، تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ : وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ وَعَدَدٍ لِبُلُوغِ أَمْرِهِمَا وَنِهَايَةِ آجَالِهِمَا ، وَيَدُورَانِ لِمَصَالِحِ الْخَلْقِ الَّتِي جُعِلَا لَهَا .
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ذَكَرَ قَبْلَهُ أَيَادِيَهُ عِنْدَ خَلْقِهِ ، وَعِظَمِ سُلْطَانِهِ ، بِفَلْقِهِ الْإِصْبَاحَ لَهُمْ ، وَإِخْرَاجِ النَّبَاتِ وَالْغِرَاسِ مِنَ الْحَبِّ وَالنَّوَى ، وَعَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ خَلْقَ النُّجُومِ لِهِدَايَتِهِمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ . فَكَانَ وَصْفُهُ إِجْرَاءَهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لِمَنَافِعِهِمْ ، أَشْبَهَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ ذِكْرِ إِضَاءَتِهِمَا ، لِأَنَّهُ قَدْ وَصَفَ ذَلِكَ قَبْلُ بَقَوْلِهِ : " فَالِقُ الْإِصْبَاحِ " فَلَا مَعْنَى لِتَكْرِيرِهِ مَرَّةً أُخْرَى فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ لِغَيْرِ مَعْنَى .
وَ " الْحُسْبَانُ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ جَمْعُ " حِسَابٍ " كَمَا " الشُّهْبَانُ " جَمْعُ شِهَابٍ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ " الْحُسْبَانَ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " حَسَبْتُ الْحِسَابَ أَحْسُبُهُ حِسَابًا وَحُسْبَانًا " . وَحُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ : " عَلَى اللَّهِ حُسْبَانَ فُلَانٍ وَحِسْبَتُهُ " أَيْ : حِسَابُهُ . [11/560]
وَأَحْسَبُ أَنَّ قَتَادَةَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِمَعْنَى الضِّيَاءِ ، ذَهَبَ إِلَى شَيْءٍ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 40 ] . قَالَ : نَارًا ، فَوَجْهُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " إِلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ . وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي شَيْءٍ .
وَأَمَّا " الْحِسْبَانُ " بِكَسْرِ " الْحَاءِ " فَإِنَّهُ جَمْعُ " الْحِسْبَانَةِ " وَهِيَ الْوِسَادَةُ الصَّغِيرَةُ ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْأَوَّلَيْنِ أَيْضًا فِي شَيْءٍ . يُقَالُ : " حَسَّبْتُهُ " أَجْلَسْتُهُ عَلَيْهَا .
وَنُصِبَ قَوْلُهُ : " حُسْبَانًا " بِقَوْلِهِ : " وَجَعَلَ " .
وَكَانَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ يَقُولُ : مَعْنَاهُ : " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا " أَيْ : بِحِسَابٍ ، فَحَذَفَ " الْبَاءَ " كَمَا حَذَفَهَا مِنْ قَوْلِهِ : " هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ " [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 117 ] ، أَيْ : أَعْلَمُ بِمَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 96 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَهَذَا الْفِعْلُ الَّذِي وَصَفَهُ أَنَّهُ فَعَلَهُ ، وَهُوَ فَلْقُهُ الْإِصْبَاحَ ، وَجَعْلُهُ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ، تَقْدِيرُ الَّذِي عَزَّ سُلْطَانُهُ ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَرَادَهُ بِسُوءٍ وَعِقَابٍ أَوِ انْتِقَامٍ ، مِنَ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ " الْعَلِيمِ " بِمَصَالِحِ خَلْقِهِ وَتَدْبِيرِهِمْ لَا تَقْدِيرُ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ ، وَلَا تَفْقَهُ شَيْئًا وَلَا تَعْقِلُهُ ، وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَإِنْ أُرِيدَتْ بِسُوءٍ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى [11/561]الِامْتِنَاعِ مِنْهُ مِمَّنْ أَرَادَهَا . يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَخْلِصُوا ، أَيُّهَا الْجَهَلَةُ ، عِبَادَتَكُمْ لِفَاعِلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، وَلَا تُشْرِكُوا فِي عِبَادَتِهِ شَيْئًا غَيْرَهُ .