تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ "

ج 1
ص 512

الآية المفسَّرة

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 1 · ص 512

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ( 35 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ إِبْلِيسَ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ بَعْدَ الِاسْتِكْبَارِ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ ، وَأُسْكِنَهَا آدَمُ (نبي)قَبْلَ أَنْ يَهْبِطَ إِبْلِيسُ إِلَى الْأَرْضِ . أَلَّا تَسْمَعُونَ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُولُ : " وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ " فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ إِبْلِيسَ إِنَّمَا أَزَلَّهُمَا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ لُعِنَ وَأَظْهَرَ التَّكَبُّرَ ، لِأَنَّ سُجُودَ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ (نبي)كَانَ بَعْدَ أَنْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ ، وَحِينَئِذٍ كَانَ امْتِنَاعُ إِبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ لَهُ ، وَعِنْدَ الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ حَلَّتْ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ . كَمَا :
708 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ [1/513]ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ أَقْسَمَ بِعِزَّةِ اللَّهِ لِيُغْوِيَنَّ آدَمَ (نبي)وَذُرِّيَّتَهُ وَزَوْجَهُ ، إِلَّا عِبَادَهُ الْمُخْلَصِينَ مِنْهُمْ ، بَعْدَ أَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ ، وَبَعْدَ أَنْ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَقَبْلَ أَنْ يَهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ . وَعَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ (نبي)الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا .
709 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ إِبْلِيسَ وَمُعَاتَبَتِهِ ، وَأَبَى إِلَّا الْمَعْصِيَةَ وَأَوْقَعَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةَ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، أَقْبَلَ عَلَى آدَمَ (نبي)وَقَدْ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ، فَقَالَ : " يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ " إِلَى قَوْلِهِ " إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ "
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْحَالِ الَّتِي خُلِقَتْ لِآدَمَ (نبي)زَوْجَتُهُ ، وَالْوَقْتِ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ سَكَنًا . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَا :
710 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأُخْرِجَ إِبْلِيسُ مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ لُعِنَ ، وَأُسْكِنَ آدَمُ (نبي)الْجَنَّةَ . فَكَانَ يَمْشِي فِيهَا وَحْشًا لَيْسَ لَهُ زَوْجٌ يَسْكُنُ إِلَيْهَا ، فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ ، وَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ ضِلْعِهِ ، فَسَأَلَهَا : مَنْ أَنْتِ ؟ فَقَالَتْ : امْرَأَةٌ . قَالَ : وَلِمَ خَلِقْتِ ؟ قَالَتْ : تَسْكُنُ إِلَيَّ . قَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ - يَنْظُرُونَ مَا بَلَغَ عِلْمُهُ : مَا اسْمُهَا يَا آدَمُ ؟ (نبي)قَالَ : حَوَّاءُ . قَالُوا : وَلِمَ سُمِّيَتْ حَوَّاءُ ؟ قَالَ : لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ شَيْءٍ حَيٍّ . فَقَالَ اللَّهُ لَهُ : " يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا " [1/514]
فَهَذَا الْخَبَرُ يُنْبِئُ أَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ بَعْدَ أَنْ سَكَنَ آدَمُ (نبي)الْجَنَّةَ ، فَجُعِلَتْ لَهُ سَكَنًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ خُلِقَتْ قَبْلَ أَنْ يَسْكُنَ آدَمُ (نبي)الْجَنَّةَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
711 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ مُعَاتَبَةِ إِبْلِيسَ ، أَقْبَلَ عَلَى آدَمَ (نبي)وَقَدْ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا فَقَالَ : " يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ " إِلَى قَوْلِهِ : " إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ " قَالَ : ثُمَّ أَلْقَى السِّنَةَ عَلَى آدَمَ (نبي)- فِيمَا بَلَغَنَا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ - ثُمَّ أَخَذَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ مِنْ شِقِّهِ الْأَيْسَرِ ، وَلَأَمَ مَكَانَهُ لَحْمًا ، وَآدَمُ (نبي)نَائِمٌ لَمْ يَهُبَّ مِنْ نَوْمَتِهِ ، حَتَّى خَلَقَ اللَّهُ مِنْ ضِلْعِهِ تِلْكَ زَوْجَتَهُ حَوَّاءَ ، فَسَوَّاهَا امْرَأَةً لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا . فَلَمَّا كُشِفَ عَنْهُ السِّنَةُ وَهَبَّ مِنْ نَوْمَتِهِ ، رَآهَا إِلَى جَنْبِهِ ، فَقَالَ ، فِيمَا يَزْعُمُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ : لَحْمِي وَدَمِي وَزَوْجَتِي ، فَسَكَنَ إِلَيْهَا . فَلَمَّا زَوَّجَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَجَعَلَ لَهُ سَكَنًا مِنْ نَفْسِهِ ، قَالَ لَهُ ، قُبَيْلًا " يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ "
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَيُقَالُ لِامْرَأَةِ الرَّجُلِ : زَوْجُهُ وَزَوْجَتُهُ ، وَالزَّوْجَةُ بِالْهَاءِ أَكْثَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْهَا بِغَيْرِ الْهَاءِ . وَالزَّوْجُ بِغَيْرِ الْهَاءِ يُقَالُ إِنَّهُ لُغَةٌ لِأَزْدِ شَنُوءَةَ . فَأَمَّا الزَّوْجُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعَرَبِ ، فَهُوَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ .
[1/515]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أُمًّا الرَّغَدُ ، فَإِنَّهُ الْوَاسِعُ مِنَ الْعَيْشِ ، الْهَنِيءُ الَّذِي لَا يَعْنِي صَاحِبُهُ . يُقَالُ : أَرْغَدَ فُلَانٌ : إِذَا أَصَابَ وَاسِعًا مِنَ الْعَيْشِ الْهَنِيءِ ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرٍ :
بَيْنَمَا الْمَرْءُ تَرَاهُ نَاعِمَا يَأْمَنُ الْأَحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ
712 - وَكَمَا حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا " قَالَ : الرَّغْدُ ، الْهَنِيءُ .
713 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : " رَغَدًا " قَالَ : لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ .
714 - وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
715 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا " أَيْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ .
716 - وَحُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، [1/516]عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا " قَالَ : الرَّغَدُ : سَعَةُ الْمَعِيشَةِ .
فَمَعْنَى الْآيَةِ وَقُلْنَا يَا آدَمُ (نبي)اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ، وَكُلَا مِنَ الْجَنَّةِ رِزْقًا وَاسِعًا هَنِيئًا مِنَ الْعَيْشِ حَيْثُ شِئْتُمَا .
717 - كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : " يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا " ثُمَّ إِنَّ الْبَلَاءَ الَّذِي كُتِبَ عَلَى الْخَلْقِ ، كُتِبَ عَلَى آدَمَ (نبي)، كَمَا ابْتُلِيَ الْخَلْقُ قَبْلَهُ ، أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَحَلَّ لَهُ مَا فِي الْجَنَّةِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءَ ، غَيْرَ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ نُهِيَ عَنْهَا ، وَقُدِّمَ إِلَيْهِ فِيهَا ، فَمَا زَالَ بِهِ الْبَلَاءُ حَتَّى وَقَعَ بِالَّذِي نُهِيَ عَنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالشَّجَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : كُلُّ مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ [ سُورَةُ الرَّحْمَنِ : 6 ] ، يَعْنِي بِالنَّجْمِ مَا نَجَمَ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ نَبْتٍ ، وَبِالشَّجَرِ مَا اسْتَقَلَّ عَلَى سَاقٍ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي عَيْنِ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ أَكْلِ ثَمَرِهَا آدَمُ (نبي)، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ السُّنْبُلَةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
718 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ، [1/517]عَنِ النَّضْرِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الشَّجَرَةُ الَّتِي نُهِيَ عَنْ أَكْلِ ثَمَرِهَا آدَمُ ، هِيَ السُّنْبُلَةُ .
719 - وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُتَيْبَةَ - جَمِيعًا عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ " قَالَ : هِيَ السُّنْبُلَةُ .
720 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ - قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، مِثْلَهُ .
721 - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، وَابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي ، عَنْ عَطِيَّةَ فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ " قَالَ : السُّنْبُلَةُ .
722 - وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : الشَّجَرَةُ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا آدَمُ (نبي)، هِيَ السُّنْبُلَةُ .
723 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَتَبَ إِلَى أَبِي الْجَلْدِ يَسْأَلُهُ عَنِ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَكَلَ مِنْهَا آدَمُ ، وَالشَّجَرَةُ الَّتِي تَابَ عِنْدَهَا : فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو الْجَلْدِ : " سَأَلْتَنِي عَنِ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا آدَمُ ، وَهِيَ السُّنْبُلَةُ ، وَسَأَلْتَنِي [1/518]عَنِ الشَّجَرَةِ الَّتِي تَابَ عِنْدَهَا آدَمُ ، وَهِيَ الزَّيْتُونَةُ .
724 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الشَّجَرَةُ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا آدَمُ : الْبُرُّ .
725 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَتِ الشَّجَرَةُ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا آدَمَ وَزَوْجَتَهُ ، السُّنْبُلَةَ .
726 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ الْيَمَانِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : هِيَ الْبُرُّ ، وَلَكِنَّ الْحَبَّةَ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ كَكُلَى الْبَقَرِ ، أَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ . وَأَهْلُ التَّوْرَاةِ يَقُولُونَ : هِيَ الْبُرُّ .
727 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ : أَنَّهُ حُدِّثَ أَنَّهَا الشَّجَرَةُ الَّتِي تَحْتَكُّ بِهَا الْمَلَائِكَةُ لِلْخُلْدِ .
728 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، قَالَ : هِيَ السُّنْبُلَةُ .
729 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، [1/519]عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : هِيَ السُّنْبُلَةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ رِزْقًا لِوَلَدِهِ فِي الدُّنْيَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ الْكَرْمَةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
730 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : هِيَ الْكَرْمَةُ .
731 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ " قَالَ : هِيَ الْكَرْمَةُ ، وَتَزْعُمُ الْيَهُودُ أَنَّهَا الْحِنْطَةُ .
732 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : الشَّجَرَةُ هِيَ الْكَرْمُ .
733 - وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ ، قَالَ : هُوَ الْعِنَبُ فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ "
734 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ خَلَّادٍ الصَّفَّارِ ، عَنْ بَيَانٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ : " وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ " قَالَ : الْكَرْمُ .
735 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ بَيَانٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ : " وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ " قَالَ : الْكَرْمُ .
736 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، وَابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ ، قَالَ : الشَّجَرَةُ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا آدَمُ ، شَجَرَةُ الْخَمْرِ .
737 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا [1/520]عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَوْلُهُ " وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ " قَالَ : الْكَرْمُ .
738 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : الْعِنَبُ .
739 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ : عِنَبٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ التِّينَةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
740 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تِينَةٌ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَهُ أَكَلَا مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَاهُمَا رَبُّهُمَا عَنِ الْأَكْلِ مِنْهَا ، فَأَتَيَا الْخَطِيئَةَ الَّتِي نَهَاهُمَا عَنْ إِتْيَانِهَا بِأَكْلِهِمَا مَا أَكَلَا مِنْهَا ، بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمَا عَيْنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَاهُمَا عَنِ الْأَكْلِ مِنْهَا ، وَأَشَارَ لَهُمَا إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ : " وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ " وَلَمْ يَضَعِ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِعِبَادِهِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْقُرْآنِ ، دَلَالَةً عَلَى أَيِّ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ كَانَ نَهْيُهُ آدَمَ (نبي)أَنْ يَقْرَبَهَا ، بِنَصٍّ عَلَيْهَا بِاسْمِهَا ، وَلَا بِدَلَالَةٍ عَلَيْهَا . وَلَوْ كَانَ لِلَّهِ فِي الْعِلْمِ بِأَيِّ ذَلِكَ مِنْ أَيٍّ رِضًا ، لَمْ يُخَلِّ عِبَادَهُ مِنْ نَصْبِ دَلَالَةٍ لَهُمْ عَلَيْهَا يَصِلُونَ بِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِهَا ، لِيُطِيعُوهُ بِعِلْمِهِمْ بِهَا ، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا بِالْعِلْمِ بِهِ لَهُ رِضًا .
فَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَهَى آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ عَنْ أَكْلِ [1/521]شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا مِنْ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ دُونَ سَائِرِ أَشْجَارِهَا ، فَخَالَفَا إِلَى مَا نَهَاهُمَا اللَّهُ عَنْهُ ، فَأَكَلَا مِنْهَا كَمَا وَصَفَهُمَا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهِ . وَلَا عِلْمَ عِنْدِنَا أَيُّ شَجَرَةٍ كَانَتْ عَلَى التَّعْيِينِ ، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ لِعِبَادِهِ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ . فَأَنَّى يَأْتِي ذَلِكَ ؟ وَقَدْ قِيلَ : كَانَتْ شَجَرَةَ الْبُرِّ ، وَقِيلَ : كَانَتْ شَجَرَةَ الْعِنَبِ ، وَقِيلَ : كَانَتْ شَجَرَةَ التِّينِ ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً مِنْهَا ، وَذَلِكَ عِلْمٌ ، إِذَا عُلِمَ لَمْ يَنْفَعِ الْعَالِمَ بِهِ عِلْمُهُ ، وَإِنْ جَهِلَهُ جَاهِلٌ لَمْ يَضُرَّهُ جَهْلُهُ بِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ "
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ، فَإِنَّكُمَا إِنْ قَرَبْتُمَاهَا كُنْتُمَا مِنَ الظَّالِمِينَ . فَصَارَ الثَّانِي فِي مَوْضِعِ جَوَابِ الْجَزَاءِ . وَجَوَابُ الْجَزَاءِ يَعْمَلُ فِيهِ أَوَّلُهُ ، كَقَوْلِكَ : إِنْ تَقُمْ أَقُمْ ، فَتَجْزِمُ الثَّانِيَ بِجَزْمِ الْأَوَّلِ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ " فَتَكُونَا " لَمَّا وَقَعَتِ الْفَاءُ فِي مَوْضِعِ شَرْطِ الْأَوَّلِ نُصِبَ بِهَا ، وَصُيِّرَتْ [1/522]بِمَنْزِلَةِ " كَيْ " فِي نَصْبِهَا الْأَفْعَالَ الْمُسْتَقْبِلَةَ ، لِلُزُومِهَا الِاسْتِقْبَالَ . إِذْ كَانَ أَصْلُ الْجَزَاءِ الِاسْتِقْبَالَ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : لَا يَكُنْ مِنْكُمَا قُرْبُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَأَنْ تَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ . غَيْرَ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ " أَنْ " غَيْرُ جَائِزٍ إِظْهَارُهَا مَعَ " لَا " وَلَكِنَّهَا مُضْمَرَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا ، لِيَصِحَّ الْكَلَامُ بِعَطْفِ اسْمٍ - وَهِيَ " أَنْ " - عَلَى الِاسْمِ . كَمَا غَيْرُ جَائِزٍ فِي قَوْلِهِمْ : " عَسَى أَنْ يَفْعَلَ " عَسَى الْفِعْلُ . وَلَا فِي قَوْلِكَ : " مَا كَانَ لِيَفْعَلَ " : مَا كَانَ لِأَنْ يَفْعَلَ .
وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي يُفْسِدُهُ إِجْمَاعُ جَمِيعِهِمْ عَلَى تَخْطِئَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ : " سَرَّنِي تَقُومُ يَا هَذَا " وَهُوَ يُرِيدُ سَرَّنِي قِيَامُكَ . فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ خَطَأً عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ قَوْلُ الْقَائِلِ : " لَا تَقُمْ " إِذَا كَانَ الْمَعْنَى : لَا يَكُنْ مِنْكَ قِيَامٌ . وَفِي إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْقَائِلِ : " لَا تَقُمْ " وَفَسَادِ قَوْلِ الْقَائِلِ : " سَرَّنِي تَقُومُ " بِمَعْنَى سَرَّنِي قِيَامُكَ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى فَسَادِ دَعْوَى الْمُدَّعِي أَنَّ مَعَ " لَا " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ " ضَمِيرَ " أَنْ " وَصِحَّةِ الْقَوْلِ الْآخَرِ .
وَفِي قَوْلِهِ " فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ " وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ :
أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ " فَتَكُونَا " فِي نِيَّةِ الْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ " وَلَا تَقْرَبَا " فَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ حِينَئِذٍ : وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ وَلَا تَكَونَا مِنَ الظَّالِمِينَ . فَيَكُونُ " فَتَكُونَا " حِينَئِذٍ فِي مَعْنَى الْجَزْمِ مَجْزُومًا بِمَا جُزِمَ بِهِ " وَلَا تَقْرَبَا " كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : لَا تُكَلِّمْ عَمْرًا وَلَا تُؤْذِهِ ، وَكَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ :
فُقُلْتُ لَهُ : صَوِّبْ وَلَا تَجْهَدَنَّهُ فَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى الْقَطَاةِ فَتَزْلَقِ
فَجَزَمَ " فَيُذْرِكَ " بِمَا جَزَمَ بِهِ " لَا تَجْهَدَنَّهُ " كَأَنَّهُ كَرَّرَ النَّهْيَ . [1/523]
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ " فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ " بِمَعْنَى جَوَابِ النَّهْيِ . فَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ حِينَئِذٍ : لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ، فَإِنَّكُمَا إِنْ قَرَبْتُمَاهَا كُنْتُمَا مِنَ الظَّالِمِينَ . كَمَا تَقُولُ : لَا تَشْتُمْ عَمْرًا فَيَشْتُمَكَ ، مُجَازَاةً . فَيَكُونُ " فَتَكُونَا " حِينَئِذٍ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ، إِذْ كَانَ حَرْفًا عُطِفَ عَلَى غَيْرِ شَكْلِهِ ، لَمَّا كَانَ فِي " وَلَا تَقْرَبَا " حَرْفٌ عَامِلٌ فِيهِ ، وَلَا يَصْلُحُ إِعَادَتُهُ فِي " فَتَكُونَا " فَنَصَبَ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ " فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ فَتَكُونَا مِنَ الْمُتَعَدِّينَ إِلَى غَيْرِ مَا أُذِنَ لَهُمْ وَأُبِيحَ لَهُمْ فِيهِ ، وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ أَنَّكُمَا إِنْ قَرُبْتُمَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ، كُنْتُمَا عَلَى مِنْهَاجِ مَنْ تَعَدَّى حُدُودِي ، وَعَصَى أَمْرِي ، وَاسْتَحَلَّ مَحَارِمِي ، لِأَنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ .
وَأَصْلُ " الظُّلْمِ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ :
إِلَّا أُوَارِيَّ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ
فَجَعَلَ الْأَرْضَ مَظْلُومَةً ، لِأَنَّ الَّذِي حَفَرَ فِيهَا النُّؤْيَ حَفَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَفْرِ ، فَجَعَلَهَا مَظْلُومَةً ، لِمَوْضِعِ الْحُفْرَةِ مِنْهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ قَمِيئَةَ فِي صِفَةِ غَيْثٍ : [1/524]
ظَلَمَ الْبِطَاحَ بِهَا انْهِلَالُ حَرِيصَةٍ فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ
وَظُلْمُهُ إِيَّاهُ : مَجِيئُهُ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ ، وَانْصِبَابُهُ فِي غَيْرِ مَصَبِّهِ . وَمِنْهُ : ظُلْمُ الرَّجُلِ جَزُورَهُ ، وَهُوَ نَحْرُهُ إِيَّاهُ لِغَيْرِ عِلَّةٍ . وَذَلِكَ عِنْدَ الْعَرَبِ وَضْعُ النَّحْرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ .
وَقَدْ يَتَفَرَّعُ الظُّلْمُ فِي مَعَانٍ يَطُولُ بِإِحْصَائِهَا الْكِتَابُ ، وَسَنُبَيِّنُهَا فِي أَمَاكِنِهَا إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا وَصَفْنَا مِنْ وَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ .