فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ

ج 3
ص 445

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 3 · ص 445

النص

( وَهْوَ ) ؛ أَيْ : هَذَا النَّوْعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، ( قَمِنْ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ عَلَى إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ ؛ أَيْ : حَقِيقٌ ، ( أَنْ يُعْتَنَى بِهِ ) ؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ جَلِيلٌ ذُو غَوْرٍ وَغُمُوضٍ ، دَارَتْ فِيهِ الرُّؤوسُ ، وَتَاهَتْ فِي الْكَشْفِ عَنْ مَكْمُونِهِ النُّفُوسُ ، بِحَيْثُ اسْتَعْظِمُهُ الزُّهْرِيُّ أَحَدُ مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ عِلْمُ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ مَدَارُ حَدِيثِ الْحِجَازِ ، وَإِلَيْهِ [3/446]الْمَرْجِعُ فِيهِ ، وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ فِي الْفُتْيَا .
وَقَالَ : إِنَّهُ أَعْيَى الْفُقَهَاءَ وَأَعْجَزَهُمْ أَنْ يَعْرِفُوا نَاسِخَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَنْسُوخِهِ
.
( وَكَانَ ) إِمَامُنَا ( الشَّافِعِيُّ ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - ( ذَا ) ؛ أَيْ : صَاحِبَ ، ( عِلْمِهِ ) ، لَهُ فِيهِ الْيَدُ الطُّولَى وَالسَّابِقَةُ الْأُولَى ، فَخَاضَ تَيَّارَهُ وَكَشَفَ أَسْرَارَهُ ، وَاسْتَنْبَطَ مَعِينَهُ وَاسْتَخْرَجَ دَفِينَهُ ، وَاسْتَفْتَحَ بَابَهُ وَرَتَّبَ أَبْوَابَهُ .
وَلِذَا نَسَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ابْنَ وَارَةَ ؛ حَيْثُ قَدِمَ مِصْرَ وَلَمْ يَكْتُبْ كُتُبَهُ ، إِلَى التَّفْرِيطِ ، وَقَالَ : مَا عَرَفْنَا الْمُجْمَلَ مِنَ الْمُفَسَّرِ ، وَلَا نَاسِخَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَنْسُوخِهِ حَتَّى جَالَسْنَاهُ .
وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ نَرَ لَهُ فِيهِ تَصْنِيفًا مُسْتَقِلًّا ، إِنَّمَا يُوجَدُ فِي غُضُونِ الْأَبْوَابِ مِنْ كُتُبِهِ مُفَرَّقًا ، وَكَذَا فِي الرِّسَالَةِ لَهُ مِنْهُ أَحَادِيثُ .
وَتَكَلَّمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ كَانَ مُتَدَاوَلًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مُتَفَرِّقًا فِي كُتُبِ شُرُوحِ السُّنَّةِ ، إِلَى أَنْ جَرَّدَ لَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ مُصَنَّفَاتٍ ؛ كَأَبِي دَاوُدَ ( صَاحِبِ السُّنَنِ ) ، وَأَبِي حَفْصِ ابْنِ شَاهِينَ ، وَكَابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي مُصَنَّفَيْنِ : أَحَدُهُمَا : فِي الرَّدِّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ دَعْوَى النَّسْخِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ .
ثَانِيهِمَا : فِي تَجْرِيدِ الْأَحَادِيثِ الْمَنْسُوخَةِ ، وَهُوَ مُخْتَصَرٌ جِدًّا .
[3/447]وَكَالْحَازِمِيِّ فِي مُصَنَّفٍ حَافِلٍ ، وَقَدْ قَرَأْتُهُ مَعَ ثَانِي تَصْنِيفَيِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ بِعُلُوٍّ ، وَكَالْبُرْهَانِ الْجَعْبَرِيِّ .
وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِتَوَقُّفِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ . وَقَدْ مَرَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فِيمَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ، بِقَاصٍّ فَقَالَ : أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ .
وَنَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : مَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ خَلَّطَ .
وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَحْظَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْآثَارِ إِلَّا بِآثَارٍ ، وَلَمْ يُحَصِّلْ مِنْ طَرائقِ الْأَخْبَارِ إِلَّا بِالْإِخْبَارِ أَنَّ الْخَطْبَ فِيهِ جَلَلٌ يَسِيرٌ ، وَالْمَحْصُولَ مِنْهُ قَلِيلٌ غَيْرُ كَثِيرٍ ، فَعَانَاهُ مَعَ عَدَمِ تَقَدُّمِهِ فِي صِنَاعَتِهِ وَضَبْطِهِ ، فَأَدْخَلَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ لِخَفَاءِ مَعْنَى الْنْسخِ وَشَرْطِهِ .