فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ

ج 3
ص 442

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 3 · ص 442

النص

[3/442]( النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ ) مِنَ الْحَدِيثِ . ( وَالنَّسْخُ ) لُغَةً : يُطْلَقُ عَلَى الْإِزَالَةِ ، يُقَالُ : نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ إِذَا أَزَالَتْهُ وَخَلَّفَتْهُ .
وَعَلَى النَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ ، يُقَالُ : نَسَخْتُ مَا فِي الْخَلِيَّةِ مِنَ الْعَسَلِ وَالنَّحْلِ إِلَى أُخْرَى .
وَمِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ ، وَالْمُنَاسَخَاتُ فِي الْمَوَارِيثِ ، وَهُوَ انْتِقَالُ الْمَالِ مِنْ وَارِثٍ إِلَى آخَرَ . وَلَا يَتَحَتَّمُ فِيهِ الْمَحْوُ وَالِانْعِدَامُ ، فَلَيْسَ نَسْخُ الْكِتَابِ إِعْدَامًا لِلْمَنْسُوخِ مِنْهُ .
وَبِالنَّظَرِ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَسَّمَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ لِخَمْسَةِ مَعَانٍ : فنَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ : أَزَالَتْهُ وَخَلَّفَتْهُ .
وَالرِّيحُ الْأَثَرَ : أَذْهَبَتْهُ .
وَالْفَرِيضَةُ الْفَرِيضَةَ : نَقَلَتْ حُكْمَهَا إِلَيْهَا ، وَاللَّيْلُ النَّهَارَ : بَيَّنَ انْتِهَاءَهُ وَعَقَبَهُ .
وَنَسَخْتُ الْكِتَابَ : صَوَّرْتُ مِثْلَهُ . قَالَ : وَهَذَا أَنْسَبُ .
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي حَقِيقَتِهِ ، فَقِيلَ : إِنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْإِزَالَةِ وَالتَّحْوِيلِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ .
وَقِيلَ : إِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَوَّلِ ، مَجَازٌ فِي الثَّانِي . وَقِيلَ بِالْعَكْسِ .
قَالَ الْأَصْبَهَانِيُّ شَارِحُ الْمُخْتَصَرِ : وَالْأَخِيرَانِ أَوْلَى مِنَ الْأَوَّلِ ، فَالْمَجَازُ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ خَيْرٌ مِنَ الِاشْتِرَاكِ .
[3/443]عَلَى أَنَّ الْعَضُدَ قَالَ : إِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ عِلْمِيٌّ .
وَاصْطِلَاحًا : هُوَ ( رَفْعُ الشَّارِعِ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحُكْمَ ( السَّابِقَ مِنْ أَحْكَامِهِ بِـ ) حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ ( لَاحِقٍ ) . هَكَذَا عَرَّفَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ حَدٌّ وَقَعَ لَنَا سَالِمٌ مِنَ اعْتِرَاضَاتٍ وَرَدَتْ عَلَى غَيْرِهِ .
ولذا قال التاج السبكي : أقرب الحدود أنه ارتفاع الحكم الشرعي بخطاب .

وَالْمُرَادُ بِارْتِفَاعِ الْحُكْمِ : قَطْعُ تَعَلُّقِهِ بِالْمُكَلَّفِينَ ؛ إِذِ الْحُكْمُ قَدِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا كَانَ مُسْتَجْمِعًا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ يُقَالُ : تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ . وَإِذَا جُنَّ يُقَالُ : ارْتَفَعَ عَنْهُ الْحُكْمُ ؛ أَيْ : تَعَلَّقَهُ .
وَلِذَا صَرَّحَ شَيْخُنَا تَبَعًا لِغَيْرِهِ بالتقييد به .
ثُمَّ لِكَوْنِ الرَّفْعِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الثُّبُوتِ ، خَرَجَ بَيَانُ الْمُجْمَلِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْحُكْمِ ، مُبَيِّنٌ لِغَايَتِهِ ، أو منفصل عنه مخصص لعموم أو مقيد لإطلاق ، لَا سِيَّمَا مَعَ التَّقْيِيدِ بِالسَّابِقِ .
وَاحْتَرَزَ بِالشَّارِعِ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ : خَبَرُ كَذَا نَاسِخٌ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا كما سيأتي مع النزاع فيه ، وَإِنْ كَانَ التَّكْلِيفُ بِالْخَبَرِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ إِنَّمَا حَصَلَ بِإِخْبَارِهِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ قَبْلُ .
وَبِالْحُكْمِ السَّابِقِ مِنْ أَحْكَامِهِ عَنْ رَفْعِ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى نَسْخًا ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي مُسْتَنَدُهَا الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ لَمْ تُنْسَخْ ، وَإِنَّمَا ارْتَفَعَتْ بِإِيجَابِ الْعِبَادَاتِ .
وَبِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ عَنِ الرَّفْعِ بِالْمَوْتِ ، وَكَذَا بِالنَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ [3/444]وَالْجُنُونِ ، وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ النَّائِمَ وَمَا بَعْدَهُ رُفِعَ الْحُكْمُ عَنْهُمْ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( رُفِعَ الْقَلَمُ ) ؛ فَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا كَمَا أَفَادَهُ الْأَصْبَهَانِيُّ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ فِي رَفْعِ الْحُكْمِ عَنْهُمْ ؛ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ التَّعَقُّلُ ، وَقَدِ اشْتَرَكُوا فِي عَدَمِهِ . وَالْحَدِيثُ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّافِعَ هُوَ النَّوْمُ وَمَا مَعَهُ ، لَا لَفْظُ الْخَبَرِ .
وَبِلَاحِقٍ عَنِ انْتِهَاءِ الْحُكْمِ بِانْتِهَاءِ الْوَقْتِ ؛ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّكُمْ لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا ) . فَالصَّوْمُ مَثَلًا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَيْسَ بِنَسْخٍ مُتَأَخِّرٍ ، وَإِنَّمَا الْمَأْمُورُ بِهِ مُؤَقَّتٌ ، وَقَدِ انْقَضَى وَقْتُهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْيَوْمِ الْمَأْمُورِ بِإِفْطَارِهِ .
وَوَرَاءَ هَذَا أَنَّ الْبُلْقِينِيَّ زَادَ فِي الْحَدِّ كَوْنَ الْحُكْمِ الَّذِي رُفِعَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِيُخْرِجَ بِهِ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ مِنْ خَمْسِينَ إِلَى خَمْسٍ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى نَسْخًا لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِمْ ، أَيْ : تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا لِعَدَمِ إِبْلَاغِهِ لَهُمْ . فَأَمَّا فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُحْتَمَلٌ ، إِلَّا أَنْ يُلْمَحَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بَعْدَ الْبَيَانِ .
وَهِيَ غَيْرُ مَسْأَلَةِ النَّسْخِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ لِوُجُودِ التَّعَلُّقِ بِخِلَافِ الْبَيَانِ
.
[3/445]وَلَكِنْ قِيلَ : إِنَّ هَذَا الْقَيْدَ قَبْلَ مَا حَمَلْتَهُ عَلَيْهِ مُسْتَغْنٍى عَنْهُ بِقَوْلِهِ : الْحُكْمُ ؛ إِذِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا قَبْلَ وُجُودِهِ تَنْجِيزِيًّا بَعْده ، حَسْبَمَا أُخِذَ فِي حَدِّ الْحُكْمِ ؛ حَيْثُ قِيلَ فِيهِ : خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ التَّكْلِيفُ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخيير ؛ فَحِينَئِذٍ لَفْظُ الْحُكْمِ يُغْنِي عَنْهُ .
ثم إن كَوْنُهُ رَفِعًا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَإِلَّا فَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ بَيَانٌ لِانْتِهَاءِ أَمَدِ الْحُكْمِ ، وَالنَّاسِخُ مَا دَلَّ عَلَى الرَّفْعِ الْمَذْكُورِ ، وَتَسْمِيَتُهُ نَاسِخًا مَجَازٌ ؛ لِأَنَّ النَّاسِخَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي هَذَا النَّوْعِ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ هَذَا الْعِلْمِ ، بَلْ هُوَ بِأُصُولِ الْفِقْهِ أَشْبَهُ .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْأَثِيرِ : مَعْرِفَةُ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ الْمُحَدِّثَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا ، بَلْ هِيَ مِنْ وَظِيفَةِ الْفَقِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَنْبِطُ الْأَحْكَامَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا الْمُحَدِّثُ فَوَظِيفَتُهُ أَنْ يَنْقُلَ وَيَرْوِيَ مَا سَمِعَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ [ كما سمعه ] ، فَإِنْ تَصَدَّى لِمَا وراءه فَزِيَادَةٌ فِي الْفَضْلِ ، وَكَمَالٌ فِي الِاخْتِيَارِ . انْتَهَى .