فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

آدَابُ طَالِبِ الْحَدِيثِ

ج 3
ص 310

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 3 · ص 310

النص

وَلْتَكُنَ الْفَائِدَةُ قَصْدَكَ ( لَا كَثْرَةَ الشُّيُوخِ ) حَالَ كَوْنِهَا ( صِيتًا عَاطِلًا ) مِنَ الْفَائِدَةِ ، بِحَيْثُ تَكُونُ كَمَنْ حَكَى عَنْهُ الْخَطِيبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : ضَيِّعْ وَرَقَةً ، وَلَا تُضَيِّعَنَّ شَيْخًا . وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي سَلَكَهَا جُلُّ أَصْحَابِنَا مِنْ طَلَبَةِ شَيْخِنَا فَضْلًا عَمَّنْ دُونَهُمْ ؛ فَإِنَّهُمُ اعْتَنَوْا بِالتَّكْثِيرِ مِنَ الشُّيُوخِ بِحَيْثُ يَقُولُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ : أَخَذْتُ عَنْ سِتِّمِائَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، دُونَ التَّكْثِيرِ مِنَ الْمَسْمُوعِ ، حَتَّى إِنَّهُ يُفَوِّتُ بَعْضَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ أُصُولِ الْإِسْلَامِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا ، هَذَا مَعَ تَصْرِيحِ شَيْخِنَا بِأَنَّ عَكْسَهُ أَوْلَى .
وَقَدْ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ : كَتَبْتُ عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ سِتَّةَ آلَافِ حَدِيثٍ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سِتَّةِ آلَافِ دِينَارٍ .
وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ : وَلَيْسَ بِمُوَفَّقٍ مَنْ ضَيَّعَ شَيْئًا مِنْ وَقْتِهِ فِي الِاسْتِكْثَارِ لِمُجَرَّدِ الْكَثْرَةِ وَصِيتِهَا ، عَلَى [3/310]احْتِمَالِ كَلَامِهِ أَيْضًا غَيْرَ هَذَا ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الْمُحَدِّثِ تَكْثِيرَ طُرُقِ الْحَدِيثِ ، وَجَمْعَ أَطْرَافِهِ ، فَيَكْثُرُ شُيُوخُهُ لِذَلِكَ ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ .
وَمِنْ هُنَا وُصِفَ بِالْإِكْثَارِ مِنَ الشُّيُوخِ خَلْقٌ مِنَ الْحُفَّاظِ كَالثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، وَيُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ الْكُدَيْمِيِّ ، وَالْبُخَارِيِّ ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مَنْدَهْ ، وَكَالْقَاسِمِ بْنِ دَاوُدَ الْبَغْدَادِيِّ ، قَالَ : كَتَبْتُ عَنْ سِتَّةِ آلَافِ شَيْخٍ .
وَمِمَّنْ زَادَتْ شُيُوخُهُ عَلَى أَلْفٍ سِوَى هَؤُلَاءِ : أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ عَدِيٍّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ بَكْرٍ ، وَأَبُو الْفِتْيَانِ ، وَأَبُو صَالِحٍ الْمُؤَذِّنُ ، وَأَبُو سَعْدٍ السَّمَّانُ ، كَانَ لَهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ شَيْخٍ وَسِتُّمِائَةٍ .
[3/311]وَابْنُ عَسَاكِرَ ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ ، وَابْنُ النَّجَّارِ ، وَابْنُ الْحَاجِبِ ، وَالدِّمْيَاطِيُّ ، وَالْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ .
وَالْبِرْزَالِيُّ ، فَشُيُوخُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ شَيْخٍ مِنْهَا أَلْفٌ بِالْإِجَازَةِ .
وَعَتِيقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيُّ الْمِصْرِيُّ ، ذَكَرَ أَنَّ شُيُوخَهُ نَيَّفُوا عَنِ الْأَلْفِ ، وَالْفَخْرُ عُثْمَانُ التَّوْزَرِيُّ بَلَغَتْ شُيُوخُهُ نَحْوَ الْأَلْفِ .
وَالذَّهَبِيُّ ، وَابْنُ رَافِعٍ ، وَالْعِزُّ أَبُو عُمَرَ ابْنُ جُمَاعَةَ ، وَمَنْ لَا يُحْصَى كَثْرَةً .
وَكَمْ فِي جَمْعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ مِنْ فَائِدَةٍ أَشَرْتُ لِجُمْلَةٍ مِنْهَا فِي الْبَابِ قَبْلَهُ .
[3/312]وَلِذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : لَوْ لَمْ نَكْتُبِ الْحَدِيثَ مِنْ سِتِّينَ وَجْهًا مَا عَقَلْنَاهُ . وَعَنِ ابْنِ مَعِينٍ مِثْلُهُ ، لَكِنْ بِلَفْظِ : ثَلَاثِينَ .
وَقَالَ غَيْرُهُمَا : الْبَابُ إِذَا لَمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَا يُوقَفُ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَلَا عَلَى سَقَمِهِ .
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ ( الْعُمْدَةِ ) مِنْ شَرْحِهَا : إِذَا اجْتَمَعَتْ طُرُقُ الْحَدِيثِ يُسْتَدَلُّ بِبَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ جَمْعُهُ ، وَيَظْهَرُ بِهِ الْمُرَادُ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَسْلَفْتُ شَيْئًا مِنْهُ فِي أَوَاخِرَ الْمُعَلَّلِ .