فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

آدَابُ طَالِبِ الْحَدِيثِ

ج 3
ص 279

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 3 · ص 279

النص

[3/279]( آدَابُ طَالِبِ الْحَدِيثِ )
سِوَى مَا تَقَدَّمَ
( وَأَخْلِصِ ) أَيُّهَا الطَّالِبُ ( النِّيَّةَ ) لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( فِي طَلَبِكَا ) لِلْحَدِيثِ ، فَالنَّفْعُ بِهِ وَبِغَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ متَوَقَّفُ عَلَى الْإِخْلَاصِ بِهِ لِلَّهِ سبحانه ، وَالضَّرْبِ صَفْحًا عَمَّا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ وَالْأَعْرَاضِ ، تَسْلَمَ مِنْ غَوَائِلَ الْأَمْرَاضِ ، وَدَسَائِسَ الْأَعْوَاضِ كَمَا سَلَفَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مَعَ كَثِيرٍ مِمَّا سَيَأْتِي هُنَا .
وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ تَزْدَادُ عِلْمًا وَشَرَفًا فِي الدَّارَيْنِ ، وَاتَّقِ الْمُفَاخَرَةَ فِيهِ ، وَالْمُبَاهَاةَ بِهِ ، وَأَنْ يَكُونَ قَصْدُكَ مِنْ طَلَبِه نَيْلَ الرِّئاسَةِ وَالْوَظَائِفِ ، وَاتِّخَاذَ الْأَتْبَاعِ ، وَعَقْدَ الْمَجَالِسِ .
قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ آتَاهُ اللَّهُ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ .
وَقَالَ إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ بْنَ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ : مَنْ طَلَبَ هَذَا الْعِلْمَ لِلَّهِ شَرُفَ وَسَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ لِلَّهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ - أَيْ : رِيحَهَا - يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) .
[3/280]وَقِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ : مَنَ الْغَوْغَاءُ ؟ قَالَ : الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْحَدِيثَ يَتَأَكَّلُونَ بِهِ النَّاسَ . وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ : مَنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ لِغَيْرِ اللَّهِ مَكَرَ بِهِ . وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي عَاصِمٍ : مَنِ اسْتَخَفَّ بِالْحَدِيثِ اسْتَخَفَّ بِهِ الْحَدِيثُ . وَفَسَّرَهُ ابْنُ مَنْدَهْ بِطَلَبِهِ لِلْحُجَّةِ عَلَى الْخَصْمِ ، لَا لِلْإِيمَانِ بِهِ ، وَالْعَمَلِ بِمَضْمُونِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَخْشَى أَنَّ مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِهِ .
وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ الْبَسْطَامِيُّ : إِنَّمَا يَحْسُنُ طَلَبُ الْعِلْمِ وَأَخْبَارِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ يَطْلُبُ الْمُخْبِرَ بِهِ ، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَّا مَنْ طَلَبَهُ لِيُزَيِّنَ بِهِ نَفْسَهُ عِنْدَ الْخَلْقِ ؛ فَإِنَّهُ يَزْدَادُ بِهِ بُعْدًا عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ .
وَسَأَلَ أَبُو عَمْرٍو إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ أَبَا جعفر بْنَ حَمْدَانَ ، وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ : بِأَيِ نِيَّةٍ أَكْتُبُ الْحَدِيثَ ؟ قَالَ : أَلَسْتُمْ تَرَووْنَ أَنَّ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ ؟
قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [3/281]رَأْسُ الصَّالِحِينَ .
فَإِذَا حَضَرَتْكَ نِيَّةٌ صَحِيحَةٌ فِي الِاشْتِغَالِ بِهَذَا الشَّأْنِ ، وَعَزَمْتَ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَكِتَابَتِهِ ، وَلَا تَحْدِيدَ لِذَلِكَ بِسِنٍّ مَخْصُوصٍ ، بَلِ الْمُعْتَمَدُ الْفَهْمُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي ( مَتَى يَصِحُّ تَحَمُّلُ الْحَدِيثِ ؟ ) فَيَنْبَغِي أَنْ تُقَدِّمَ الْمَسْأَلَةَ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَكَ فِيهِ ، وَيُعِينَكَ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ .
ثُمَّ بَادِرْ إِلَى السَّمَاعِ ، ( وَجِدَّ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ، فِي الطَّلَبِ ، وَاحْرِصْ عَلَيْهِ بِدُونِ تَوَقُّفٍ وَلَا تَأْخِيرٍ ، فَمَنْ جَدَّ وَجَدَ ، وَالْعِلْمُ كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ : لَا يُسْتَطَاعُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ .
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ ) ، وَقَالَ أَيْضًا : ( التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إِلَّا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ ) . وَمِنْ أَبْلَغِ مَا يُحْكَى عَنِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ سَلَمَةَ بْنَ شَبِيبٍ : كُنَّا عِنْدَ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ فَازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، فَوَقَعَ صَبِيٌّ تَحْتَ أَقْدَامِ الرِّجَالِ ، فَقَالَ يَزِيدُ : اتَّقُوا اللَّهَ ، وَانْظُرُوا مَا حَالُ الصَّبِيِّ ، فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ قَدْ خَرَجَتْ حَدَقَتَاهُ وَهُوَ يَقُولُ : يَا أَبَا خَالِدٍ ، زِدْنَا . فَقَالَ يَزِيدُ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، قَدْ نَزَلَ بِهَذَا الْغُلَامِ مَا نَزَلَ وَهُوَ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ .
[3/282]وَامْتَهِنْ نَفْسَكَ بِالتَّقَنُّعِ وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ وَالتَّوَاضُعِ ؛ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ أَحَدٌ بِالتَّمَلُّكِ وَعِزِّ النَّفْسِ فَيُفْلِحَ ، وَلَكِنْ مَنْ طَلَبَهُ بِذِلَّةِ النَّفْسِ وَضِيقِ الْعَيْشِ وَخِدْمَةِ الْعُلَمَاءِ وَالتَّوَاضُعِ أَفْلَحَ .