فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

آدَابُ الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ

ج 3
ص 277

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 3 · ص 277

النص

ثُمَّ إِنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي الْعَارِفِ غَيْرِ الْعَاجِزِ ، ( وَإِنْ يُخَرِّجْ لِلرُّوَاةِ ) الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ وَاخْتِلَافِ وُجُوهِهِ وَطُرُقِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ عُلُومِهِ ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ [3/277]وَلَكِنَّهُمْ عَجَزُوا عَنِ التَّخْرِيجِ وَالتَّفْتِيشِ إِمَّا لِكِبَرِ سِنٍّ وَضَعْفِ بَدَنٍ كَمَا اتَّفَقَ لِلنَّاظِمِ فِي إِمْلَاءِهِ بِأخِرِة لِذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا خَرَّجَهُ لَهُ شَيْخُنَا رَحِمَهُما اللَّهُ ، وَإِمَّا لِطُرُوء عَمًى وَنَحْوِهِ ، ( مُتْقِنُ ) مِنْ حُفَّاظِ وَقْتِهِمْ ( مَجَالِسَ الْإِمْلَاءِ ) الَّتِي يُرِيدُونَ إِمْلَاءَهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ وَمَا يَلْحَقُ بِهَا .
إِمَّا بِسُؤَالٍ مِنْهُمْ لَهُ أَوِ ابْتِدَاءً ، ( فَهْوَ حَسَنُ ) ، بَلْ قَالَ الْخَطِيبُ : إِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاصِرِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِبَعْضِ حُفَّاظِ وَقْتِهِ ، فَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِنَا كَأَبِي الْحُسَيْنِ ابْنِ بِشْرَانَ ، وَالْقَاضِي أَبِي عُمَرَ الْهَاشِمِيِّ ، وَأَبِي الْقَاسِمِ السَّرَّاجِ وَغَيْرِهِمْ يَسْتَعِينُونَ بِمَنْ يُخَرِّجُ لَهُمْ .
( وَلَيْسَ بِالْإِمْلَاءِ حِينَ يَكْمُلُ غِنًى عَنِ الْعَرْضِ ) وَالْمُقَابَلَةِ ( لِـ ) إِصْلَاحِ ( زَيْغٍ ) ، أَوْ طُغْيَانِ قَلَمٍ ( يَحْصُلُ ) ؛ يَعْنِي : فَإِنَّ الْمُقَابَلَةَ بَعْدَ الْكِتَابَةِ وَاجِبَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهَا حِكَايَةً عَنِ الْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ ؛ إِذْ لَا فَرْقَ .
وَحِينَئِذٍ فَيَأْتِي الْقَوْلُ بِجَوَازِ الرِّوَايَةِ مِنَ الْفَرْعِ غَيْرِ الْمُقَابَلِ بالشُّرُوطِ الْمُتَقَدَّمَةِ .
بَلْ كَانَ شَيْخُنَا لِكَثْرَةِ مَنْ يَكْتُبُ عَنْهُ الْإِمْلَاءَ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ هَمَّ أَنْ يَجْعَلَ بِكُلِّ جَانِبٍ وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ لَهُمْ بِالْفَنِّ إِلْمَامٌ فِي الْجُمْلَةِ لِيَخْتَبِرَ كِتَابَتَهُمْ وَيُرَاجِعُونَهُ ، فَمَا تَيَسَّرَ .
وَالتَّبْكِيرُ بِالْمَجْلِسِ أَوْلَى ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الشِّتَاءِ ؛ فَالْأَوْلَى أَنْ يَصْبِرَ سَاعَةً حَتَّى يَرْتَفِعَ النَّهَارُ .
وَاسْتُحِبَّ لِلطَّالِبِ السَّبْقُ بِالْمَجِيءِ لِئَلَّا يَفُوتَهُ شَيْءٌ ، فَتَشُقُّ إِعَادَتُهُ ، فَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ - كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ - بِكَرَاهَةِ تَكْرِيرِ مَاضِيهِ ، وَاسْتِثْقَالِ الْإِعَادَةِ لِفَائِتِهِ وَمُنْقَضِيهِ ، حَتَّى قَالَ الثَّوْرِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُمَا : [3/278]مَنْ غَابَ خَابَ ، وَأَكَلَ نَصِيبَهُ الْأَصْحَابُ ، وَلَمْ نُعِدْ لَهُ حَدِيثًا .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : نَقْلُ الصَّخْرِ أَهْوَنُ مِنْ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ .
وَقَالَ نَفْطَوَيْهِ يُخَاطِبُ ثَقِيلًا مِنْ أَبْيَاتٍ :
خَلٍ عَنَّا فَإِنَّمَا أَنْتَ فِينَا وَاوُ عَمْرٍو وَكَالْحَدِيثِ الْمُعَادِ وَدَخَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّيْخِ وَقْتَ الِانْصِرَافِ ، فَأَنْشَأَ الشَّيْخُ يَقُولُ :
وَلَا يَرِدُونَ الْمَاءَ إِلَّا عَشِيَّةً إِذَا صَدَرَ الْوُرَّادُ عَنْ كُلِّ مَنْهَلٍ وَلِذَا كَانَ خَلْقٌ يَبِيتُونَ لَيْلَةَ الْإِمْلَاءِ عَلَي بْنِ الْمَدِينِيِّ بِمَحَلِّ جُلُوسِهِ حِرْصًا عَلَى السَّمَاعِ ، وَتَخَوُّفًا مِنَ الْفَوَاتِ .