فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

الْإِشَارَةُ بِالرَّمْزِ

ج 3
ص 90

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 3 · ص 90

النص

( وَكَتَبُوا ) أي أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي كُلٍّ مِنَ الْحَدِيثِ ، أَوِ الْكِتَابِ ، أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّا يَرُومُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ إِسْنَادَيْهِ أَوْ أَسَانِيدِهِ ، ( عِنْدَ انْتِقَالٍ مِنْ سَنَدْ لِغَيْرِهِ " حَ " ) بِالْقَصْرِ مُهْمَلَةً مُفْرَدَةً ، وَهِيَ فِي كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَكْثَرُ ، وَفِي ( صَحِيحِ مُسْلِمٍ ) أَكْثَرُ مِنْهَا فِي ( الْبُخَارِيِّ ) كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدْمَةِ ( شَرْحِ مُسْلِمٍ ) ، وَهُوَ الْمُشَاهَدُ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا : أَهِيَ مِنَ الْحَائِلِ أَوِ التَّحْوِيلِ أَوْ صَحَّ أَوِ الْحَدِيثِ ؟
وَهَلْ يُنْطَقُ بِهَا " حَا " ؟ أَوْ يُصَرَّحُ بِبَعْضِ مَا رُمِزَ بِهَا لَهُ عِنْدَ الْمُرُورِ بِهَا فِي الْقِرَاءَةِ ؟ أَوْ لَا ؟ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : ( وَانْطِقَنْ بِهَا ) كَمَا كُتِبَتْ مُفْرَدَةً ، وَمُرَّ فِي قِرَاءَتِكَ . يَعْنِي : حَسْبَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَتَلَقَّاهُ عَنْهُمُ الْخَلَفُ ، وَعَلَيْهِ مَشَى بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَيْضًا كَمَا سَمِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ [3/90]الْمَغَارِبَةِ عَنْهُ ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ إِلَّا أَنَّهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : أَحْوَطُ الْوُجُوهِ وَأَعْدَلُهَا .
( وَقَدْ رَأَى ) الْحَافِظُ الرَّحَّالُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ( الرُّهَاوِيُّ ) نِسْبَةً إِلَى الرُّهَا بِالضَّمِّ لِلْأَكْثَرِ ، الْحَنْبَلِيُّ ، كَمَا سَمِعَهُ مِنْهُ ابْنُ الصَّلَاحِ ( بِأَنْ ) ؛ أَيْ : أَنْ ( لَا تُقْرَآ ) ولَا يُلْفَظَ بِشَيْءٍ عِنْدَ الِانْتِهَاءِ إِلَيْهَا ، ( وَأَنَّهَا ) لَيْسَتْ مِنَ الرِّوَايَةِ ، بَلْ هِيَ " حَاء " ( مِنْ حَائِلٍ ) الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذَا حَجَزَ بَيْنَهُمَا ، لِكَوْنِهَا حَالَت بَيْنَ الْإِسْنَادَيْنِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ منْ مَشَايِخِهِ - وَفِيهِمْ عَدَدٌ كَانُوا حُفَّاظَ الْحَدِيثِ فِي وَقْتِهِ - غَيْرُهُ .
وَنَحْوُهُ فِي كَوْنِهَا مِنْ حَائِلٍ لَكِنْ مَعَ النُّطْقِ بِذَلِكَ قَوْلُ الدِّمْيَاطِيِّ ، وَقَدْ قَرَأَ عَلَي بَعْضِ الْمَغَارِبَةِ ، فَصَارَ كُلَّمَا وَصَلَ إِلَى " حَ " قَالَ : حَاجِزٌ .
وَهُوَ فِي النُّطْقِ بِمَعْنَاهَا خَاصَّةً مُوَافِقٌ لِمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ ؛ حَيْثُ قَالَ : ( وَقَدْ رَأَى بَعْضُ ) عُلَمَاءِ ( أُولِي الْغَرْبِ ) حِينَ ذَاكَرْتُهُ فِيهَا ، وَحَكَاهُ عَنْ صَنِيعِ الْمَغَارِبَةِ كَافَّةً ( بِأَنْ ) ؛ أَيْ : أَنْ ( يَقُولَا ) مَنْ يَمُرُّ بِهَا ( مَكَانَهَا الْحَدِيثَ قَطْ ) ؛ أَيْ : فَقَطْ .
وَحَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ عَنِ الرُّهَاوِيِّ إِنْكَارَ كَوْنِهَا مِنَ الْحَدِيثِ .
قُلْتُ : وَكَأَنَّهُ لِكَوْنِ الْحَدِيثِ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدُ ، فَإِنْ كَانَتْ مَذْكُورَةً بَعْدَ سِيَاقِ السَّنَدِ الْأَوَّلِ وَبَعْضِ الْمَتْنِ كَمَا فِي ( الْبُخَارِيِّ ) فَإِنَّهُ أَوْرَدَ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : جِئْتُ أَنَا وَأَبِي حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ . .
ثُمَّ قَالَ : حَ ، وَثَنَا . . . وَسَاقَ سَنَدًا آخَرَ إِلَى الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورِ ، أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَ مَرْوَانَ أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ . فَيُمْكِنُ عَدَمُ إِنْكَارِهِ .
[3/91]( وَ ) كَذَا ( قِيلَا ) مِمَّا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ مَنْ جَمَعَتْهُ وَإِيَّاهُ الرِّحْلَةُ بِـ " خُرَاسَانَ " عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ مِنَ الْأَصْبَهَانِيِّينَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْحَدِيثِ ، ( بَلْ ) هِيَ ( حَاءُ تَحْوِيلٍ ) مِنْ إِسْنَادٍ إِلَى إِسْنَادٍ آخَرَ .
( وَقَالَ ) ابْنُ الصَّلَاحِ : ( قَدْ كُتِبَ ) فِيمَا رَأَيْتُهُ بِخَطِّ الْحَافِظَيْنِ أَبِي عُثْمَانَ الصَّابُونِيِّ وَأَبِي مُسْلِمٍ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ اللَّيْثِيِّ الْبُخَارِيِّ ، وَالْفَقِيهِ الْمُحَدِّثِ أَبِي سَعْدٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَلِيلِ الْخَلِيلِيِّ ( مَكَانَهَا ) بَدَلًا عَنْهَا ( صَحَّ ) صَرِيحَةً ، يَعْنِي نَحْوَ مَا يُجْعَلُ بَيْنَ الرُّوَاةِ الْمَعْطُوفِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ . قَالَ : فَهَذَا يُشْعِرُ بِكَوْنِ الْحَاءِ رَمْزًا إِلَى صَحَّ ، فـ ( حَا ) بِالْقَصْرِ ( مِنْهَا انْتُخِبَ ) . أَيِ : اخْتِيرَ فِي اخْتِصَارِهَا . قَالَ : وَحَسُنَ إِثْبَاتُ " صَحَّ " هَاهُنَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ حَدِيثَ هَذَا الْإِسْنَادِ سَقَطَ ، وَلِئَلَّا يُرَكَّبَ الْإِسْنَادُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فَيُجْعَلَا إِسْنَادًا وَاحِدًا .
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدِ اخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ التَّحَويلِ ، وَأَنَّ الْقَارِئَ يَلْفِظُ بِهَا .
ثُمَّ إِنَّهُ لَمُ يَخْتَلِفْ مَنْ حَكَيْنَا عَنْهُمْ فِي كَوْنِهَا حَاءً مُهْمَلَةً ، بَلْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : إِنَّ بَعْضَهُمْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ . أَيْ : إِسْنَادٌ آخَرُ .
وَكَذَا حَكَاهُ الدِّمْيَاطِيُّ أَيْضًا ، فَقَالَ : وَبَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ يَسْتَعْمِلُهَا بِـ " الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ " يُرِيدُ بِهَا آخِر أو خبرا . زَادَ غَيْرُهُ : أَوْ إِشَارَةً إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ إِسْنَادٍ إِلَى إِسْنَادٍ . وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : أَنَّ ذَلِكَ اجْتِهَادٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا فِي [3/92]شَأْنِهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ .
قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ : وَيُقَالُ : ( إِنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَرْفِ ابْنُ الصَّلَاحِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ صَنِيعِهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَرَّحَ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ : وَلَمْ يَأْتِنَا عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ بَيَانٌ لِأَمْرِهَا ) .