فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

كِتَابَةُ الْحَدِيثِ وَضَبْطُهُ

ج 3
ص 20

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 3 · ص 20

النص

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : ( وَيَنْبَغِي ) اسْتِحْبَابًا مُتَأَكَّدًا ، بَلْ عِبَارَةُ ابْنُ خَلَّادٍ وَعِيَاضٍ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ ، ولَكِنَّ فِي حَقِّ مَنْ حَفِظَ الْعِلْمَ بِالْخَطِّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، لَا سِيَّمَا الْحَدِيثُ وَمُتَعَلَّقَاتُهُ مَعَ صَرْفِ الْهِمَّةِ لِضَبْطِ مَا يُحَصِّلُهُ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ غَيْرِهِ مِنْ مَرْوِيِّهِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ ضَبْطًا يُؤْمَنُ مَعَهُ الِالْتِبَاسُ .
( إِعْجَامُ ) أَيْ : نَقْطُ ( مَا يُسْتَعْجَمُ ) بِإِغْفَالِ نَقْطِهِ ، بِحَيْثُ تَصِيرُ فِيهِ [3/20]عُجْمَةٌ ، بل يُمَيِّزَ الْخَاءَ الْمُعْجَمَةَ مِنَ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَالذَّالَ الْمُعْجَمَةَ مِنَ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، كَحَدِيثِ : ( عَلَيْكُمْ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ ) ؛ فَيُعْجِمُ كُلًّا مِنَ الْخَاءِ وَالذَّالِ بِالنَّقْطِ وَكَالْنَقِيعِ وَالْبَقِيعِ ، فَيُمَيِّزُ مَا يَكُونُ بِالنُّونِ مِمَّا هُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ .
وَكَذَا فِي الْأَسْمَاءِ ، يُبَيِّنُ خَبَّابًا مِنْ جَنَابٍ وَحُبَابٍ ، وَأَبَا الْجَوْزَاءِ مِنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَنِ بِذَلِكَ الْكَثِيرُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ اتِّكَالًا عَلَى حِفْظِهِمْ ، كَإِيرَادِهِمْ الْمَوْضُوعَاتِ بِدُونِ تَصْرِيحٍ بِبَيَانِهَا ، فَقَدْ قَالَ الثَّوْرِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي ( أَدَبِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ ) لَهُ : الْخُطُوطُ الْمُعْجَمَةُ كَالْبُرُودِ الْمُعَلَّمَةِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ : رُبَّ عِلْمٍ لَمْ تُعْجَمْ فُصُولُهُ اسْتُعْجِمَ مَحْصُولُهُ .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ ثَابِتِ بْنِ مَعْبَدٍ : نُورُ الْكِتَابِ الْعَجْمُ . وَكَذَا يُرْوَى مِنْ قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : إِعْجَامُ الْمَكْتُوبِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِعْجَامِهِ . بَلْ أَوْرَدَ الْخَطِيبُ فِي " جَامِعِهِ " مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أَوْسٍ الْغَسَّانِيِّ كَاتِبِ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : كَتَبْتُ بَيْنَ يَدَيْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كِتَابًا ، فَقَالَ لِي : يَا عُبَيْدُ ، ارْقُشْ كِتَابَكَ ، فَإِنِّي كَتَبْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَقَالَ لِي : ( يَا مُعَاوِيَةُ ، ارْقُشْ كِتَابَكَ ) ، قُلْتُ : وَمَا رَقْشُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : إِعْطَاءُ كُلِّ حَرْفٍ مَا يَنُوبُهُ مِنَ النَّقْطِ .
( وَ ) كَذَا يَنْبَغِي ( شَكْلُ مَا يُشْكِلُ ) إِعْرَابُهُ مِنَ الْمُتُونِ وَالْأَسْمَاءِ فِي [3/21]الْكِتَابِ ، فَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ إِشْكَالِهِ .
( لَا مَا يُفْهَمُ ) بِدُونِ شَكْلٍ وَلَا نَقْطٍ . فَإِنَّهُ تَشَاغُلٌ بِمَا غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ ، وَفِيهِ عَنَاءٌ ، بَلْ قَدْ لَا يَكُونُ فِيهِ فَائِدَةٌ أَصْلًا .
وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يُشْكِلُ الْحَرْفَ إِذَا كَانَ شَدِيدًا ، وَغَيْرُ ذَلِكَ لَا .
وَكَانَ عَفَّانُ وَبَهْزٌ وَحَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ أَصْحَابُ الشَّكْلِ وَالتَّقْيِيدِ ، وَحَكَى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ ( سِمَاتِ الْخَطِّ وَرُقُومِهِ ) : أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ الْإِعْجَامَ وَالْإِعْرَابَ إِلَّا فِي الْمُلْبِسِ ، وَرُبَّمَا يَحْصُلُ لِلْكِتَابِ إِظْلَامٌ .
( وَقِيلَ ) : بَلْ يَنْبَغِي الشَّكْلُ وَالْإِعْجَامُ لِلْمَكْتُوبِ ( كُلُّهُ ) أَشْكَلَ أَمْ لَا . وَصَوَّبَهُ عِيَاضٌ ( لِـ ) أَجْلِ ( ذِي ابْتِدَاءٍ ) فِي الصَّنْعَةِ وَالْعِلْمِ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ الْمُؤْتَلِفَ وَالْمُخْتَلِفَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ السَّنَدِ وَالْمَتْنِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُمَيِّزُ الْمُشْكِلَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَا صَوَابَ وَجْهِ الْإِعْرَابِ لِلْكَلِمَةِ مِنْ خَطِئِهِ ، وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ وَاضِحًا عِنْدَ قَوْمٍ مُشْكِلًا عِنْدَ آخَرِينَ ، كَالْعَجَمِ وَمَنْ شَاكَلَهُمْ ، وَالْقَصْدُ عُمُومُ الِانْتِفَاعِ ، وَرُبَّمَا يَظُنُّ هُوَ لِبَرَاعَتِهِ الْمُشْكِلَ وَاضِحًا ، بَلْ وَقَدْ يَخْفَى عَنْهُ الصَّوَابُ بَعْدُ .
وَلِذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَكَثِيرًا مَا يَتَهَاوَنُ فِي ذَلِكَ الْوَاثِقُ بِذِهْنِهِ وَتَيَقُّظِهِ ، وَذَلِكَ وَخِيمُ الْعَاقِبَةِ ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مُعَرَّضٌ لِلنِّسْيَانِ .
قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْبُسْتِيُّ - وَكَانَ يُكْثِرُ التَّجْنِيسَ فِي شِعْرِهِ - :
[3/22]يَا أَفَضَلَ النَّاسِ إِفْضَالًا عَلَى النَّاسِ وَأَكْثَرَ النَّاسِ إِحْسَانًا إِلَى النَّاسِ نَسِيتُ وَعْدَكَ وَالنِّسْيَانُ مُغْتَفَرٌ فَاعْذُرْ فَأَوَّلُ نَاسٍ أَوُّلُ النَّاسِ وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ : سُمِّيتَ إِنْسَانًا لِأَنَّكَ نَاسٍ .
وَمِمَّنْ كَانَ كَثِيرَ الْعَجْمِ وَالنَّقْطِ لِكِتَابِهِ أَبُو عَوَانَةَ الْوَضَّاحُ أَحَدُ الْحُفَّاظِ ، فَقُدِّمَ كِتَابُهُ عَلَى حِفْظِ غَيْرِهِ لِشِدَّةِ إِتْقَانِهِ وَضَبْطِهِ لَهُ .
وَرُبَّمَا - كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ عِيَاضٌ - يَقَعُ النِّزَاعُ فِي حُكْمٍ مُسْتَنْبَطٍ مِنْ حَدِيثٍ يَكُونُ مُتَوَقِّفًا عَلَى ضَبْطِ الْإِعْرَابِ فِيهِ ، فَيُسْأَلُ الرَّاوِي : كَيْفَ ضَبْطُ هَذَا اللَّفْظِ ؟ فَيَصِيرُ مُتَحَيِّرًا لِكَوْنِهِ أَهْمَلَهُ ، أَوْ يَجْسُرُ عَلَى شَيْءٍ بِدُونِ بَصِيرَةٍ وَيَقِينٍ كَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - : [3/23]( ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ ) فَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ يُرَجِّحُونَ النَّصْبَ لِاشْتِرَاطِهِمُ التَّذْكِيَةَ ، وَالْجُمْهُورُ كَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا يُرَجِّحُونَ الرَّفْعَ لِإِسْقَاطِهِمْ ذَكَاتَهُ .
عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ وَجَّهَ النَّصْبَ أَيْضًا بِمَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : ( لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ) فَالْجَمَاعَةُ يَرْوُونَهُ بِرَفْعِ صَدَقَةٍ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُورَثُونَ ، وَالْإِمَامِيَّةُ يَرْوُونَهُ بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُورَثُ مَا تَرَكُوهُ صَدَقَةً دُونَ غَيْرِهِ . عَلَى أَنَّ ابْنَ مَالِكٍ وَجَّهَ النَّصْبَ بِمَا يُوَافِقُ الْجَمَاعَةَ ؛ فَقَالَ : التَّقْدِيرُ : مَا تَرَكْنَا مَبْذُولٌ صَدَقَةً . فَحَذَفَ الْخَبَرَ وَبَقِيَ الْحَالُ مِنْهُ .
وَنَظِيرُهُ : وَنَحْنُ عُصْبَةٌ بِالنَّصْبِ .
[3/24]وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - : ( هُوَ لَكَ عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ) ؛ فَالْجَمَاعَةُ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ بَيْنَ " لَكَ " وَ " عَبْدٍ " وَبَعْضُ الْمُخَالِفِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى حَذْفِهِ بَيْنَ " عَبْدٍ " وَ " ابْنٍ " مَعَ تَنْوِينِ " عَبْدٍ " .
وَنَحْوُهُ فِي السَّنَدِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ، فَلِكَوْنِ سَلُولَ أُمَّهُ إِنْ لَمْ تثْبِتِ الْأَلِفَ فِي ابْنِ سَلُولَ ، وَيُنَوِّنْ أُبَي يُظَنُّ أَنَّهُ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ ، كَمَا سَيَأْتِي مَبْسُوطًا فِي " مَنْ نُسِبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ " .
وَرَحِمَ اللَّهُ كُلًّا مِنَ السِّلَفِيِّ وَالْمِزِّيِّ ؛ فَقَدْ كَانَا مَعَ جَلَالَتِهِمَا يَضْبِطَانِ الْأَشْيَاءَ الْوَاضِحَةَ ، حَتَّى إِنَّ السِّلَفِيَّ تَكَرَّرَ لَهُ نَقْطُ الْخَاءِ مِنْ " أَخبرنَا " ، وَالْمِزِّيَّ قَدْ يُسَكِّنُ النُّونَ مِنْ " عَنْ " ، وَلَكِنَّ هَذَا تَكَلُّفٌ ، وَقَدْ لَا يَكُونُ مَقْصُودًا .
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُبَالِغُ فِي ضَبْطِ الْمُتُونِ ؛ لِأَنَّ تَغْيِيرِهَا يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يُقَالَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ ، أَوْ يُثْبَتَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِغَيْرِ طَرِيقِهِ .
( وَ ) لَكِنْ ( أَكَّدُوا ) أَيِ : الْأَئِمَّةُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ ( مُلْتَبِسَ ) ؛ أَيْ : ضَبْطَ مُلْتَبِسِ ( الْأَسْمَاءِ ) لَا سِيَّمَا الْأَسْمَاءُ الْأَعْجَمِيَّةُ ، وَالْقَبَائِلُ الْغَرِيبَةُ لِقِلَّةِ الْمُتَمَيِّزِينَ [3/25]فِيهَا . بِخِلَافِ الْإِعْرَابِ ، وَلِأَنَّهَا - كَمَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّجِيرَمِيُّ : أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِالضَّبْطِ . قَالَ : لِأَنَّهَا لَا يَدْخُلُهَا الْقِيَاسُ وَلَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَيْهَا .
وَمَا لَعَلَّهُ يُقَالُ فِي رَدِّ هَذَا التَّعْلِيلِ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي عَنْ ذَاكَ الْمُلْتَبِسِ أَوْ شَيْخِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ لِلْعَالِمِ بِهِ ، وَالْكَلَامُ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ .
وَمِمَّنْ كَانَ يَحُضُّ عَلَى الضَّبْطِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَعَفَّانُ ، كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمَا عِيَاضٌ .
( وَلْيَكُ ) بِسُكُونٍ اللَّامِ كَمَا هُوَ الْأَكْثَرُ فِيهَا ؛ مِثْلَ : وَلْيُؤْمِنُوا بِي ضَبْطُهُ لِلْمُشْكِلِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالْأَلْفَاظِ ( فِي الْأَصْلِ وَ ) كَذَا ( فِي الْهَامِشِ ) مُقَابِلَهُ حَسْبَمَا جَرَى عَلَيْهِ رَسْمُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الضَّبْطِ ؛ لِأَنَّ جَمْعَهَما أَبْلَغُ فِي الْإِبَانَةِ وَأَبْعَدُ مِنَ الِالْتِبَاسِ ، بِخِلَافِ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَوَّلِهِمَا ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا دَاخَلَهُ نَقْطٌ أَوْ شَكْلٌ لِغَيْرِهِ مِمَّا فَوْقَهُ أَوْ تَحْتَهُ ، فَيَحْصُلُ الِالْتِبَاسِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ دِقَّةِ الْخَطِّ وَضِيقِ الْأَسْطُرِ ، قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِعِيَاضٍ .
وَليَكُ مَا بِالْهَامِشِ مِنْ ذَلِكَ ( مَعْ تَقْطِيعِهِ الْحُرُوفَ ) مِنَ الْمُشْكِلِ ( فَهْوَ أَنْفَعْ ) وَأَحْسَنُ ، وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ يُظْهِرُ شَكْلَ الْحَرْفِ مُفْرَدًا فِي بَعْضِ الْحُرُوفِ كَالنُّونِ [3/26]وَالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كُتِبَتْ مُجْتَمِعَةً وَالْحَرْفُ الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِهَا أَوْ وَسَطِهَا ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحَا بِهِ فَقَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الضَّبْطِ .
نَعَمْ نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ عِيَاضٍ ، وَهُوَ إِمَّا سَهْوٌ أَوْ رَآهُ فِي غَيْرِ " الْإِلْمَاعِ " .
وممن نَصَّ عَلَيْهِ وَحَكَاهُ عَنِ الْمُتْقِنِينَ : ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، فَقَالَ فِي " الِاقْتِرَاحِ " : وَمِنْ عَادَةِ الْمُتْقِنِينَ أَنْ يُبَالِغُوا فِي إِيضَاحِ الْمُشْكِلِ فَيُفَرِّقُوا حُرُوفَ الْكَلِمَةِ فِي الْحَاشِيَةِ وَيَضْبِطُوهَا حَرْفًا حَرْفًا ؛ فَلَا يَبْقَى بَعْدَهُ إِشْكَالٌ .
وَمِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَنْبَغِي التَّيَقُّظُ لِمَا يَقَعُ مِنَ الضَّبْطِ نَقْطًا وَشَكْلًا فِي خَطِّ الْأَئِمَّةِ بِغَيْرِ خُطُوطِهِمْ وَلَوْ كَانَ صَوَابًا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى ، وَرُبَّمَا لَا يُمَيِّزُهُ الْحُذَّاقُ ، وَيَا فَضِيحَةَ مَنِ اعْتَمَدَ صَنِيعَهُ بِقَصْدِ التَّخْطِئَةِ لِلْأَئِمَّةِ .
الثَّانِي : قَدِ اسْتَثْنَى ابْنُ النَّفِيسِ مِمَّا تَقَدَّمَ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ ، وَقَالَ : إِنَّ الْأَوْلَى تَجْرِيدُهُ عَنِ الْإِعْجَامِ وَالْإِعْرَابِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ جَمِيعَهَا زَوَائِدُ عَلَى الْمَتْنِ . وَبِمَا تَقَرَّرَ فِي كَوْنِ دِقَّةِ الْخَطِّ قَدْ تَقْتَضِي الِالْتِبَاسَ كَانَ إِيضَاحُهُ مِمَّا يَتِمُّ بِهِ الضَّبْطُ .