فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

أقسام الحديث الحسن

ج 1
ص 123

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 1 · ص 123

النص

( وَقَالَ ) ابْنُ الصَّلَاحِ : ( بَانَ ) أَيْ : ظَهَرَ ( لِي بِإِمْعَانِي ) أَيْ : بِإِطَالَتِي وَإِكْثَارِي ( النَّظَرَ ) وَالْبَحْثَ جَامِعًا بَيْنَ أَطْرَافِ كَلَامِهِمْ ، مُلَاحِظًا مَوَاقِعَ اسْتِعْمَالِهِمْ ( أَنَّ لَهُ ) أَيِ : الْحَسَنِ ( قِسْمَيْنِ ) :
أَحَدُهُمَا - يَعْنِي وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحَسَنِ لِغَيْرِهِ - : أَنْ يَكُونَ فِي الْإِسْنَادِ مَسْتُورٌ لَمْ تَتَحَقَّقْ أَهْلِيَّتُهُ ، ولكنه بالنظر لما ظهر غَيْرُ مُغَفَّلٍ ، وَلَا كَثِيرِ الْخَطَأِ فِي رِوَايَتِهِ ، وَلَا متهم بِتَعَمُّدِ الْكَذِبِ فِيهَا ، وَلَا يُنْسَبُ إِلَى مُفَسَّقٍ آخَرَ ، وَاعْتَضَدَ بِمُتَابِعٍ أَوْ شَاهِدٍ .
وَثَانِيهِمَا : يَعْنِي وَهُوَ الْحَسَنُ لِذَاتِهِ : أَنْ تَشْتَهِرَ رُوَاتُهُ بِالصِّدْقِ ، وَلَمْ يَصِلُوا فِي الْحِفْظِ رُتْبَةَ رِجَالِ الصَّحِيحِ
.
قُلْتُ : وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْحَسَنُ حَقِيقَةً ، بِخِلَافِ الْآخَرِ ، فَهُوَ لِكَوْنِهِ يُطْلَقُ عَلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الضَّعِيفِ مَجَازٌ ، كَمَا يُطْلَقُ اسْمُ الصَّحِيحِ مَجَازًا عَلَى الثَّانِي .
ثُمَّ إِنَّ الْقِسْمَيْنِ ( كُلٌّ ) مِنَ التِّرْمِذِيِّ وَالْخَطَّابِيِّ ( قَدْ ذَكَرَ ) مِنْهُمَا ( قِسْمًا ) ، وَتَرَكَ آخَرَ لِظُهُورِهِ ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كُلٍّ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ فِي التِّرْمِذِيِّ ، أَوْ [1/124]ذُهُولِهِ ; فَكَلَامُ التِّرْمِذِيِّ يَتَنَزَّلُ عِنْدَ ابْنِ الصَّلَاحِ عَلَى أَوَّلِهِمَا ، وَكَلَامُ الْخَطَّابِيِّ عَلَى ثَانِيهِمَا ، لَكِنْ لَيْسَ الْأَوَّلُ عِنْدَهُ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ .
وَحِينَئِذٍ فَتَرْكُهُ لَهُ ؛ لِذَلِكَ لَا لِمَا تَقَدَّمَ .
( وَزَادَ ) أَيِ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ( كَوْنَهُ مَا عُلِّلَا ، وَلَا بِنُكْرٍ أَوْ شُذُوذٍ ) أَيْ : بِكُلٍّ مِنْهُمَا ( شُمِلَا ) بِنَاءً عَلَى تَغَايُرِهِمَا ، أَمَّا مَعَ تَرَادُفِهِمَا - كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ - فَاشْتِرَاطُ انْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا كَافٍ ، بل على التغاير لو اقتصر على انتفاء الشذوذ تضمن انتفاء النكارة من باب أولى . وَلِذَا اقْتَصَرَ فِي الصَّحِيحِ عَلَى نَفْيِ الشُّذُوذِ فَقَطْ ، بَلْ وَكَذَا الْحَسَنُ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ .
وَحِينَئِذٍ فَزِيَادَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ لَهُ إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَطَّابِيِّ خَاصَّةً بِخِلَافِ الْعِلَّةِ مَعَ إِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ مَجِيءُ الْجَابِرِ عَلَى وِفْقِهِ يُغْنِي التِّرْمِذِيَّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِنَفْيِهَا .
وَلَكِنْ قَدْ قَرَّرَ شَيْخُنَا مَنْعَ اشْتِرَاطِهِ نَفْيَهَا .
وَظَهَرَ بِمَا قَرَّرْتُهُ تَفْصِيلُ مَا أَجْمَلَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ; حَيْثُ قَالَ عَقِبَ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ : وَفِيهِ مُبَاحَثَاتٌ وَمُنَاقَشَاتٌ عَلَى بَعْضِ الْأَلْفَاظِ .
وَلِذَلِكَ مَعَ اخْتِلَالِ غَيْرِهَا مِنْ تَعَارِيفِهِ ، قِيلَ : إِنَّهُ لَا مَطْمَعَ فِي تَمْيِيزِهِ ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّ مَنْ خَاضَ بِحَارَ هَذَا الْفَنِّ ، سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا .
وَلِذَا عَرَّفَ الْحَسَنَ لِذَاتِهِ ، فَقَالَ : هُوَ الْحَدِيثُ الْمُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ بِرُوَاةٍ مَعْرُوفِينَ بِالصِّدْقِ ، فِي ضَبْطِهِمْ قُصُورٌ عَنْ ضَبْطِ رُوَاةِ الصَّحِيحِ ، وَلَا يَكُونُ مَعْلُولًا ، وَلَا شَاذًّا .
[1/125]وَمُحَصَّلُهُ أَنَّهُ هُوَ وَالصَّحِيحُ سَوَاءٌ ، إِلَّا فِي تَفَاوُتِ الضَّبْطِ .
فَرَاوِي الصَّحِيحِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالضَّبْطِ الْكَامِلِ ، وَرَاوِي الْحَسَنِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ تِلْكَ الدَّرَجَةَ ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ عَرِيًّا عَنِ الضَّبْطِ فِي الْجُمْلَةِ ; لِيَخْرُجَ عَنْ كَوْنِهِ مُغَفَّلًا ، وَعَنْ كَوْنِهِ كَثِيرَ الْخَطَأِ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الصَّحِيحِ ، فَلَا بُدَّ مِنَ اشْتِرَاطِ كُلِّهِ فِي النَّوْعَيْنِ . انْتَهَى .
وَأَمَّا مُطْلَقُ الْحَسَنِ : فَهُوَ الَّذِي اتَّصَلَ سَنَدُهُ بِالصَّدُوقِ الضَّابِطِ الْمُتْقِنِ غَيْرِ تَامِّهِمَا ، أَوْ بِالضَّعِيفِ بِمَا عَدَا المفسق كالْكَذِبَ إن لم يفحش خطأ سيئ الحفظ . إِذَا اعْتَضَدَ مَعَ خُلُوِّهِمَا عَنِ الشُّذُوذِ وَالْعِلَّةِ .