فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَقْسَامُ الْحَدِيثِ

مَرَاتِبُ الصَّحِيحِ

ج 1
ص 75

المرجع

الناشر
مكتبة السنة - مصر
الطبعة
الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء
4
موضع الطبعة
ج 1 · ص 75

النص

مَرَاتِبُ الصَّحِيحِ
مُطْلَقًا الماضي ما يشعر بجلها في ثاني التراجم ، ( وَأَرْفَعُ الصَّحِيحِ مَرْوِيُّهُمَا ) أَيِ : الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ; لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَعْلَى الْأَوْصَافِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلصِّحَّةِ ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ، وَبِالَّذِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، إِذَا كَانَ الْمَتْنُ عَنْ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ كَمَا قَيَّدَهُ شَيْخُنَا .
وَقَالَ : إِنَّ فِي عَدِّ الْمَتْنِ الَّذِي يُخَرِّجُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ صَحَابِيٍّ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ نَظَرًا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَدِّثِينَ
.
قلت : ويتأيد بانتقاد الحميدي في جمعه عد أبي مسعود الدمشقي في المتفق عليه حديث عائشة : أرادت أن تشتري بريرة مع كونه في البخاري عن ابن عمر أن عائشة ، وفي مسلم عنه عن عائشة ، يعني : فيكون الأول من مسنده ، والثاني من مسندها ، وقال : إنه حينئذ لا يكون متفقا عليه بينهما ، ثم جوز أن يكون أبو مسعود رآه في نسخة من مسلم كالبخاري ، والله الموفق .
[1/76]وَهُوَ - أَعْنِي مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، وعدته كما للجوزقي ألفان وثلاثمائة وستة وعشرون - أَنْوَاعٌ : فَأَعْلَاهُ مَا وُصِفَ بِكَوْنِهِ مُتَوَاتِرًا ، ثُمَّ مَشْهُورًا ، ثُمَّ أَصَحُّ كَمَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، ثُمَّ مَا وَافَقَهُمَا مُلْتَزِمُو الصِّحَّةِ ، ثُمَّ أَحَدُهُمْ عَلَى تَخْرِيجِهِ ، ثُمَّ أَصْحَابُ السُّنَنِ ، ثُمَّ الْمَسَانِيدُ ، ثُمَّ مَا انْفَرَدَا بِهِ ، وَلَا يُخْرِج بِذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ كَوْنِهِ مِمَّا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، وعلى تقدير وجود شيء من الثلاثة الأول خارجهما فيأتي فيه ما ذكر تلوه .
( ثُمَّ ) يَلِيهِ مَرْوِيُّ ( الْبُخَارِيِّ ) فَقَطْ ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي ; لِأَنَّ شَرْطَهُ أَضْيَقُ ( فَيَلِيهِ ) مَرْوِيُّ ( 0 مُسْلِمٍ ) وَحْدَهُ لِمُزَاحَمَتِهِ لِلَّذِي قَبْلَهُ ، وَهُوَ الثَّالِثُ ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْأَكْثَرُ .
وَقَدْ يَعْرِضُ لِلْمَفُوقِ مَا يَجْعَلُهُ فَائِقًا ; كَأَنْ يَتَّفِقَ مَجِيءُ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ يَبْلُغُ بِهَا التَّوَاتُرَ ، أَوِ الشُّهْرَةَ الْقَوِيَّةَ ، أَوْ يُوَافِقُهُ عَلَى تَخْرِيجِهِ مُشْتَرِطُو الصِّحَّةَ ، فَهَذَا أَقْوَى مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مَعَ اتِّحَادِ مَخْرَجِهِ .
وَكَذَا نَقُولُ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، بَلْ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَقْسَامِ الْمَفْضُولَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ ; إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ ذَلِكَ .
[1/77]( فَـ ) يَلِي مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ ( مَا شَرْطَهُمَا ) مَفْعُولٌ ( حَوَى ) أَيْ : جَمَعَ شَرْطَهُمَا ، وَهُوَ الرَّابِعُ .
وَالدَّلِيلُ لِتَأَخُّرِهِ عَنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ التَّلَقِّي لِكُلٍّ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ بِالْقَبُولِ .
عَلَى أَنَّ شَيْخَنَا تَرَدَّدَ فِي كَوْنِهِ أَعْلَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ أَوْ مِثْلَهُ ، كَمَا تَرَدَّدَ غَيْرُهُ فِي تَأْخِيرِ الثَّالِثِ عَنِ الثَّانِي إِذَا كَانَ عَلَى شَرْطِهِ ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى تَعْلِيلِهِ ، وَيُسَاعِدُهُ أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَوْعِبَا شْرُوطَهُمَا .
وَإِذَا كَانَ عَلَى مَا قَرَّرُوهُ ( فَـ ) يَلِي الَّذِي عَلَى شَرْطِهِمَا مَا حَوَى ( شَرْطَ الْجُعْفِيِّ ) أَيِ : الْبُخَارِيِّ ، وَهُوَ الْخَامِسُ .
( فَـ ) مَا حَوَى شَرْطَ ( مُسْلِمٍ ) وَهُوَ السَّادِسُ .
( فـَ ) مَا حَوَى ( شَرْطَ غَيْرٍ ) مِنَ الْأَئِمَّةِ ، سِوَى الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ، بِتَخْرِيجِهِ فِي كِتَابِهِ الْمَوْضُوعِ لِلصِّحَّةِ ، أَوْ ثُبُوتِهِ عَنْهُ وكذا ما يوجد شرطه فيه ، ولو لم يخرجه ، واقتصار النظم عليه للضرورة ، وإلا فقد صرح في الشرح بالأول ، وَهُوَ السَّابِعُ . وَاسْتِعْمَالُ ( غَيْرُ ) بِلَا إِضَافَةٍ قَلِيلٌ .
مَعَ أَنَّهُ لَوْ لُوحِظَ التَّرْجِيحُ بَيْنَ شُرُوطِ مَنْ عَدَا الشَّيْخَيْنِ ، كَمَا فُعِلَ فِيهِمَا ، لَزَادَتِ الْأَقْسَامُ ، وَلَكِنْ مَا ذُكِرَ ( يَكْفِي ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّطْوِيلِ ، وَعَدَمُ تَصْرِيحِ ابْنِ الصَّلَاحِ بِالِاكْتِفَاءِ لَا يُخَالِفُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ مِنْهُ الْخَوْضُ فِي التَّصْحِيحِ .
[1/78]( وَعِنْدَهُ ) أَيِ : ابْنِ الصَّلَاحِ ( التَّصْحِيحُ ) وَكَذَا التَّحْسِينُ ( لَيْسَ يُمْكِنُ ) ، بَلْ جَنَحَ لِمَنْعِ الْحُكْمِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ الشَّامِلَةِ لَهُ ( فِي عَصْرِنَا ) ، وَاقْتَصَرَ فِيهِمَا عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي تَصَانِيفِهِمُ الْمُعْتَمَدَةِ الَّتِي يُؤْمَنُ فِيهَا لِشُهْرَتِهَا مِنَ التَّغْيِيرِ وَالتَّحْرِيفِ ، مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ مَا مِنْ إِسْنَادٍ إِلَّا وَفِي رُوَاتِهِ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى مَا فِي كِتَابِهِ عَرِيًّا عَنِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ .
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ التَّنْبِيهَاتِ الَّتِي بِآخِرِ الْمَقْلُوبِ - الْقَوْلُ بِذَلِكَ فِي التَّضْعِيفِ - أَيْضًا - لعدم التمكن في استيفاء الطرق ، وقد سبقه لنحو ذلك الحافظ أبو عبد الله ابن منده ، فإنه قال فيما سمعه أبو عبد الله ابن أبي ذهل منه : لا يخرج الصحيح إلا من ينزل أو يكذب ، حكاه الذهبي في ترجمته من " طبقات الحافظ " وقال : يعني أن [1/79]شيوخ المتأخرين لا يرتقون إلى درجة الصحة ، فيكذب المحدث إن خرج عنهم ، انتهى.
وَلَكِنْ لَمْ يُوَافِقِ ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ حُكْمًا وَدَلِيلًا .
أَمَّا الْحُكْمُ : فَقَدْ صَحَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعَاصِرِينَ لَهُ ; كَأَبِي الْحَسَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ مُصَنِّفِ " الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ " وَالضِّيَاءِ الْمَقْدِسِيِّ صَاحِبِ " الْمُخْتَارَةِ " ، وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ بَعْدَهُ ، كَالزَّكِيِّ الْمُنْذِرِيِّ ، وَالدِّمْيَاطِيِّ طَبَقَةً بَعْدَ [1/80]طَبَقَةٍ إِلَى شَيْخِنَا ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدَهُ .
( وَقَالَ ) الشَّيْخُ أَبُو زَكَرِيَّا ( يَحْيَى ) النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : الْأَظْهَرُ عِنْدِي جَوَازُهُ ، وَهُوَ ( مُمْكِنٌ ) لِمَنْ تَمَكَّنَ وَقَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ لِتَيَسُّرِ طُرُقِهِ .
وَأَمَّا الدَّلِيلُ : فَالْخَلَلُ الْوَاقِعُ فِي الْأَسَانِيدِ الْمُتَأَخِّرَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الرُّوَاةِ ; لِعَدَمِ الضَّبْطِ وَالْمَعْرِفَةِ بِهَذَا الْعِلْمِ ، وَهُوَ منجبر فِي الضَّبْطِ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى الْمُقَيَّدِ عَنْهُمْ ، كَمَا أَنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِقَوْلِ بَعْضِ الْحُفَّاظِ فِيمَا عَنْعَنَهُ الْمُدَلِّسُ : هَذَا الْحَدِيثُ سَمِعَهُ هَذَا الْمُدَلِّسُ مِنْ شَيْخِهِ ، وَحَكَمُوا لِذَلِكَ بِالِاتِّصَالِ .
وَفِي عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِضَبْطِهِمْ كُتُبَهُمْ مِنْ وَقْتِ السَّمَاعِ إِلَى حِينِ التَّأْدِيَةِ ، وكذا تيسر جمع الطرق التي يتمكن معها من نفي الشذوذ والعلة المكتفى فيه بغلبة الظن .
وَوَرَاءَ هَذَا : أَنَّ الْكِتَابَ الْمَشْهُورَ الْغَنِيَّ بِشُهْرَتِهِ عَنِ اعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ مِنَّا إِلَى مُصَنِّفِهِ ، كَكِتَابِ النَّسَائِيِّ مَثَلًا مما لَا يَحْتَاجُ فِي صِحَّةِ نِسْبَتِهِ إِلَى النَّسَائِيِّ إِلَى اعْتِبَارِ حَالِ الْإِسْنَادِ مِنَّا إِلَيْهِ ، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ ، إِذَا رَوَى مُصَنِّفُهُ فِيهِ حَدِيثًا ، وَلَمْ يُعَلِّلْهُ ، وَجَمَعَ إِسْنَادُهُ شُرُوطَ الصِّحَّةِ ، وَلَمْ يَطَّلِعِ الْمُحَدِّثُ فِيهِ عَلَى عِلَّةٍ ، فَمَا الْمَانِعُ مِنَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ ، وَلَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ ؟
لَا سِيَّمَا وَأَكْثَرُ مَا يُوجَدُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا رُوَاتُهُ رُوَاةُ الصَّحِيحِ ، وَفِيهِمُ الضَّابِطُونَ الْمُتْقِنُونَ الْحُفَّاظُ بِكَثْرَةٍ ، هَذَا لَا يُنَازِعُ فِيهِ مَنْ لَهُ ذَوْقٌ فِي هَذَا الْفَنِّ ، أَفَادَهُ شَيْخُنَا وَمِنْ قَبْلِهِ ابْنُ النَّاظِمِ فِي دِيبَاجَةِ شَرْحِهِ لَأَبِي دَاوُدَ .
[1/81]وَلَعَلَّ ابْنَ الصَّلَاحِ اخْتَارَ حَسْمَ الْمَادَّةِ ; لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِمَّنْ يُزَاحِمُ فِي الْوُثُوبِ عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي لَا يُهْتَدَى لِلْكَشْفِ مِنْهَا ، وَالْوَظَائِفِ الَّتِي لَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِمُبَاشَرَتِهَا .
وَلِلْحَدِيثِ رِجَالٌ يُعْرَفُونَ بِهِ وَلِلدَّوَاوِينِ كُتَّابٌ وَحُسَّابٌ
وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ : الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمُحَدِّثِ فِي عُرْفِ الْمُحَدِّثِينَ أَنْ يَكُونَ كَتَبَ وَقَرَأَ وَسَمِعَ وَوَعَى ، وَرَحَلَ إِلَى الْمَدَائِنِ وَالْقُرَى ، وَحَصَّلَ أُصُولًا وَعَلَّقَ فُرُوعًا مِنْ كُتُبِ الْمَسَانِيدِ وَالْعِلَلِ وَالتَّوَارِيخِ الَّتِي تَقْرُبُ مِنْ أَلْفِ تَصْنِيفٍ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُنْكَرُ لَهُ ذَلِكَ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى رَأْسِهِ طَيْلَسَانٌ ، وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ ، وَصَحِبَ أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ الزَّمَانِ ، أَوْ مَنْ تَحَلَّى بِلُؤْلُؤٍ وَمَرْجَانٍ ، أَوْ بِثِيَابٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ ، فَحَصَّلَ تَدْرِيسَ حَدِيثٍ بِالْإِفْكِ وَالْبُهْتَانِ ، وَجَعَلَ نَفْسَهُ مَلْعَبَةً لِلصِّبْيَانِ ، لَا يَفْهَمُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ جُزْءٍ وَلَا دِيوَانٍ ، فَهَذَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ مُحَدِّثٍ بَلْ وَلَا إِنْسَانٍ ، وَإِنَّهُ مَعَ الْجَهَالَةِ آكِلُ حَرَامٍ ، فَإِنِ اسْتَحَلَّهُ خَرَجَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ . انْتَهَى .
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا نَفْثَةُ مَصْدُورٍ ، وَرَمْيَةُ مَعْذُورٍ ، وَبِهَا يَتَسَلَّى الْقَائِمُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِتَحْقِيقِ هَذَا الشَّأْنِ ، مَعَ قِلَّةِ الْأَعْوَانِ ، وَكَثْرَةِ الْحَسَدِ وَالْخِذْلَانِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ .