الحسن بن إبراهيم
قال ابن زولاق : كان فقيها ، حاسبا ، خبيرا ، عاقلا ، له حلقة
وقال ابن زولاق في " قضاة مصر " : في سنة أربع وعشرين سلم الإخشيذ قضاء مصر إلى ابن الحداد ، وكان أيضا ينظر في المظالم ، ويوقع فيها ، فنظر في الحكم خلافة عن الحسين بن محمد بن أبي زرعة الدمشقي ، وكان يجلس في الجامع ، وفي داره ، وكان فقيها متعبدا ، يحسن علوما كثيرة . منها علم القرآن ، وقول الشافعي ، وعلم الحديث ، والأسماء والكنى والنحو واللغة ، واختلاف العلماء ، وأيام الناس ، وسير الجاهلية ، والنسب والشعر ، ويحفظ شعرا كثيرا ، ويجيد الشعر ، ويختم في كل يوم وليلة ويصوم يوما ويفطر يوما ، ويختم يوم الجمعة ختمة أخرى في ركعتين في الجامع قبل صلاة الجمعة [ سوى التي يختمها كل يوم ] ، حسن الثياب رفيعها ، حسن المركوب ، فصيحا غير مطعون عليه في لفظ ولا فضل ثقة في اليد والفرج واللسان ، مجموعا على صيانته وطهارته حاذقا بعلم القضاء . أخذ ذلك عن أبي عبيد القاضي
وقرأت في كتاب "قضاة مصر" لأبي محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق قال: واستكتب محمد بن عبدة القاضي بمصر أبا جعفر الطحاوي الفقيه ، واستخلفه وأغناه ، فكان أبو جعفر يجلس بين يديه ويقول للخصوم وهم بين يديه: من مذهب القاضي أيده الله كذا وكذا حاملا عنه وملقنا له ، فأحس القاضي تيها من أبي جعفر واستظهارا عليه ، فقال له: ما هذا الذي رأيت منك؟ والله لئن أرسلت بقصبة فنصبت في حارتك لتراءى الناس حولها يقولون : هذه قصبة القاضي
قال ابن زولاق: وحدثني عبد الله بن عمر الفقيه ، سمعت أبا جعفر الطحاوي يقول: كان لمحمد بن عبدة القاضي مجلس للفقه عشية الخميس يحضره الفقهاء وأصحاب الحديث ، فإذا فرغ وصلى المغرب انصرف الناس ، ولم يبق أحد إلا من تكون له حاجة فيجلس ، فلما كان ليلة رأينا إلى جنب القاضي شيخا عليه عمامة طويلة ، وله لحية حسنة لا نعرفه ، فلما فرغ المجلس وصلى القاضي ، التفت فقال: يتأخر أبو سعيد يعني الفاريابي ، وأبو جعفر وانصرف الناس ، ثم قام يركع . فلما فرغ استند ونصبت بين يديه الشموع ثم قال : خذوا في شيء ، فقال ذلك الشيخ: أيش روى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن أمه ، عن أبيه ، فلم يقل أبو سعيد الفاريابي شيئا ، فقلت أنا: حدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا سفيان ، عن عبد الأعلى الثعلبي ، عن أبي عبيدة بن عبد الله ، عن أمه ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله ليغار للمؤمن فليغر " . قال: فقال لي ذلك الشيخ: أتدري ما تتكلم به؟ فقلت له: أيش الخبر؟ فقال لي: رأيتك العشية مع الفقهاء في ميدانهم ورأيتك الساعة في أصحاب الحديث في ميدانهم ، وقل من يجمع ما بين الحالتين ، فقلت: هذا من فضل الله وإنعامه ، فأعجب القاضي في وصفه لي ، ثم أخذنا في المذاكرة . قال ابن زولاق: وأراد أبو جعفر الطحاوي مقاسمة عمه في الريع الذي بينهما فحكم له القاضي بالقسمة ، وأرسل إليه بمال يستعين به في ذلك ووافق ذلك إملاكا في مجلس أحمد بن طولون فحضره أبو جعفر الطحاوي ، وقرأ الكتاب وعقد النكاح ، فخرج خادم بصينية فيها مائة دينار وطيب ، فقال: كم القاضي ، فقال القاضي: كم أبي جعفر ، فألقاها في كمه ، ثم خرج إلى الشهود ، وكانوا عشرة بعشرة صواني ، والقاضي يقول: كم أبي جعفر ، ثم خرجت صينية أبي جعفر فانصرف أبو جعفر ذلك اليوم بألف ومائتي دينار سوى الطيب . قال ابن زولاق: وحدثني عبد الله بن عثمان ، قال: سمعت أبا جعفر الطحاوي يقول: كانت لأبي الجيش بن أحمد بن طولون أمير مصر شهادة فحضر الشهود ، وكان كلما كتب شاهد شهادته قرأها الأمير والقاضي ، وكان كل شاهد يكتب: أشهدني الأمير أبو الجيش ابن أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين ، قال أبو جعفر: فلما شهدت أنا كتبت : أشهد على إقرار الأمير أبي الجيش ابن أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين ، أطال الله بقاءه ، وأدام عزه وعلوه يقر بجميع ما في هذا الكتاب ، فلما قرأه الأمير ، قال للقاضي: من هذا؟ قال: هذا كاتبي ، فقال أبو من؟ قال: أبو جعفر ، فقال: وأنت يا أبا جعفر ، فأطال الله بقاءك ، وأدام عزك ، قال: فقمت بسبب ذلك محسودا من الجماعة . قال ابن زولاق: فلم يزل محمد بن عبدة على القضاء بمصر إلى أن قتل أبو الجيش فانحرف أهل البلد عن محمد بن عبدة وعن أصحابه ، فأغروا بهم نائب هارون بن أبي الجيش فاعتقل أبا جعفر الطحاوي بسبب اعتبار الأوقاف. قال ابن زولاق : وسمعت أبا الحسن علي بن أبي جعفر الطحاوي يقول: سمعت أبي يقول: وذكر فضل أبي عبيد بن حربويه وفقهه ، فقال: كان يذاكرني بالمسائل ، فأجبته يوما في مسألة ، فقال لي: ما هذا قول أبي حنيفة ، فقلت له : أيها القاضي أوكل ما قاله أبو حنيفة أقول به؟ فقال: ما ظننتك إلا مقلدا ، فقلت له: وهل يقلد إلا عصبي؟ فقال لي: أو غبي؟ قال: فطارت هذه الكلمة بمصر حتى صارت مثلا وحفظها الناس . قال: وكان الشهود ينفسون على أبي جعفر بالشهادة لئلا تجتمع له رياسة العلم وقبول الشهادة ، فلم يزل أبو عبيد في سنة ست وثلاثمائة حتى عدله بشهادة أبي القاسم مأمون ، ومحمد بن موسى سقلاب فقبله وقدمه ، وكان أكثر الشهود في تلك السنة قد حجوا وجاوروا بمكة فتم لأبي عبيد ما أراد من تعديله . قال: وكان أبو جعفر الطحاوي إذا ذاكر أبا عبيد يقول كثيرا في كلامه: قال ابن أبي عمران ، قال ابن أبي عمران - يعني أستاذه - فلما طال هذا على أبي عبيد قال: يا هذا كم قال ابن أبي عمران؟ قد رأيت هذا الرجل بالعراق ، ولم يكن بذاك ، إن البغاث بأرضكم تستنسر ، قال: فطارت هذه الكلمة وصارت بمصر مثلا . وكان لأبي عبيد في كل عشية مجلس لواحد من الأفاضل يذاكره ، وقد قسم أيام الأسبوع عليهم منها عشية لأبي جعفر ، فقال له في بعضها كلاما بلغه عن أمناء القاضي وحضه على محاسبتهم ، فقال القاضي أبو عبيد: كان إسماعيل بن إسحاق لا يحاسبهم ، فقال أبو جعفر: قد كان القاضي بكار يحاسبهم ، فقال القاضي أبو عبيد: كان إسماعيل بن إسحاق لا يحاسبهم ، فقال له أبو جعفر أقول : كان القاضي بكار ، ويقول لي : كان إسماعيل ، قد حاسب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمناءه ، وذكر له قصة ابن الأتبية . فلما بلغ ذلك الأمناء لم يزالوا حتى أوقعوا بين أبي عبيد وأبي جعفر ، وتغير كل منهما للآخر ، وكان ذلك قرب صرف أبي عبيد عن القضاء ، قال: فلما صرف أبو عبيد عن القضاء أرسل الذي ولي بعده إلى أبي جعفر بكتاب عزله ، قال: فحدثني علي بن أبي جعفر قال: فجئت إلى أبي فهنأته ، فقال لي أبي: ويحك وهذه تهنئة؟ هذه والله تعزية لمن أذاكر بعده؟ أو لمن أجالس؟ قال ابن زولاق : وحدثني عبيد الله بن عبد الكريم قال: كان أبو عبيد في غاية المعرفة بالأحكام ، وكان أبو جعفر الطحاوي وجه النقد في الشروط والسجلات والشهادات ، فجلس بين يدي أبي عبيد يوما ليؤدي شهادة ، فأداها ، فلما فرغ قال له القاضي: عرفني ، فأعادها ، فقال: عرفني ، فقال أبو جعفر: يأذن لي القاضي في القيام إلى موضع؟ فقال: قم ، فقام أبو جعفر يجر رداءه قد سقط بعضه ومال ، فأقام في ناحية ، ثم عاد فجثى على ركبتيه ، وقال: نعم أعزك الله أشهد بكذا وكذا ، فأخذ منه أبو عبيد الكتاب وعلم على شهادته . قال ابن زولاق : كان أبو زكريا يحيى بن محمد بن عمروس عاقلا ، وهو الذي أدب أبا جعفر الطحاوي وعلمه القرآن ، وكان يقال: ليس في الجامع سارية إلا وقد ختم أبو زكريا عندها القرآن ، قال: ولما ولي عبد الرحمن بن إسحاق بن محمد بن معمر الجوهري القضاء بمصر ، كان يركب بعد أبي جعفر وينزل بعده ، فقيل له في ذلك ، فقال: هذا واجب ؛ لأنه عالمنا وقدوتنا ، وهو أسن مني بإحدى عشرة سنة ، ولو كانت إحدى عشرة ساعة لكان القضاء أقل من أن أفتخر به على أبي جعفر . ولما ولي أبو محمد عبد الله بن زبر قضاء مصر وحضر عنده أبو جعفر الطحاوي فشهد عنده أكرمه غاية الإكرام وسأله عن حديث ذكر أنه كتبه عن رجل عنه من ثلاثين سنة ، فأملاه عليه . قال: وحدثني الحسين بن عبد الله القرشي ، قال: كان أبو عثمان أحمد بن إبراهيم بن حماد في ولايته القضاء بمصر يلازم أبا جعفر الطحاوي يسمع عليه الحديث فدخل رجل من أهل أسوان ، فسأل أبا جعفر عن مسألة ، فقال أبو جعفر: من مذهب القاضي أيده الله كذا وكذا ، فقال له: ما جئت إلى القاضي إنما جئت إليك ، فقال له: يا هذا من مذهب القاضي ما قلت لك ، فأعاد القول ، فقال أبو عثمان: تفتيه أعزك الله ، فقال: إذا أذن القاضي أفتيته ، فقال: قد أذنت ، فأفتاه ، قال : فكان ذلك يعد في فضل أبي جعفر ، وأدبه . قال: ومات أبو جعفر في ولاية أبي عثمان هذا في ذي القعدة سنة 321
قال ابن زولاق : كان عاقلا فقيها حاسبا خبيرا بالدولة ، له حلقة بالجامع
قال ابن زولاق في كتاب " قضاة مصر " : ولما كان في شوال سنة أربع وعشرين وثلاث مائة سلم محمد بن طغج الإخشيد قضاء مصر إلى أبي بكر الحداد . وكان أيضا ينظر في المظالم ويوقع فيها ، ونظر في الحكم خلافة عن الحسين بن محمد بن أبي زرعة محمد بن عثمان الدمشقي ، وهو لا ينظر ؛ وكان يجلس في الجامع وفي داره . وربما جلس في دار ابن أبي زرعة ووقع في الأحكام ، وكاتب خلفاء النواحي . وكان فقيها متعبدا يحسن علوما كثيرة منها علم القرآن ، وقول الشافعي ، وعلم الحديث والكنى ، واللغة ، واختلاف الفقهاء ، وأيام الناس ، وسير الجاهلية ، والشعر والنسب ، ويحفظ شعرا كثيرا ، ويجيد الشعر ، ويختم في كل يوم وليلة ، ويصوم يوما ويفطر يوما ، ويختم يوم الجمعة ختمة أخرى في ركعتين في الجامع قبل صلاة الجمعة ، سوى التي يختمها كل يوم ،حسن الثياب رفيعها ، حسن المركوب ، فصيحا غير مطعون عليه في لفظ ولا فضل ، ثقة في اليد والفرج واللسان ، مجموعا على صيانته وطهارته . كان من محاسن مصر ، حاذقا ، يعلم القضاء . أخذ ذلك عن أبي عبيد القاضي . إلى أن قال : وكل من وقف على ما ذكرناه يقول : صدقت
ذكره ابن زولاق - وكان من أصحابه - فقال : كان تقيا متعبدا ، يحسن علوما كثيرة : علم القرآن وعلم الحديث ، والرجال ، والكنى ، واختلاف العلماء والنحو واللغة والشعر ، وأيام الناس ، ويختم القرآن في كل يوم ، ويصوم يوما ويفطر يوما . كان من محاسن مصر ، إلى أن قال : وكان طويل اللسان ، حسن الثياب والمركوب ، غير مطعون عليه في لفظ ولا فعل ، وكان حاذقا بالقضاء . صنف كتاب " أدب القاضي " في أربعين جزءا ، وكتاب " الفرائض " في نحو من مائة جزء
ذكره ابن زولاق فقال : كان من كبار شهود مصر وقرائهم وعبادهم