تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الضُّحَى

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَالضُّحَى "

ج 24
ص 481

الآية المفسَّرة

وَالضُّحَى

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 24 · ص 481

النص

[24/481][24/482][24/483]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَالضُّحَى ( 1 ) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ( 2 ) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ( 3 ) وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ( 4 ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ( 5 ) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ( 6 ) وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ( 7 ) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ( 8 ) .
أَقْسَمَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالضُّحَى ، وَهُوَ النَّهَارُ كُلُّهُ ، وَأَحْسِبُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ : ضَحِيَ فُلَانٌ لِلشَّمْسِ : إِذَا ظَهَرَ مِنْهُ ; وَمِنْهُ قَوْلُهُ : وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى أَيْ : لَا يُصِيبُكَ فِيهَا الشَّمْسَ .
وَقَدْ ذَكَرْتُ اخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ : وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا مَعَ ذِكْرِي اخْتِيَارَنَا فِيهِ . وَقِيلَ : عُنِيَ بِهِ وَقْتُ الضُّحَى .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ( وَالضُّحَى ) سَاعَةٌ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ .
وَقَوْلُهُ : وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : وَاللَّيْلُ إِذَا أَقْبَلَ بِظَلَامِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى يَقُولُ : وَاللَّيْلُ إِذَا أَقْبَلَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى قَالَ : إِذَا لَبِسَ النَّاسَ ، إِذَا جَاءَ . [24/484]
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : إِذَا ذَهَبَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى يَقُولُ : إِذَا ذَهَبَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : إِذَا اسْتَوَى وَسَكَنَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ; وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى قَالَ : إِذَا اسْتَوَى .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى قَالَ : إِذَا اسْتَوَى .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى سَكَنٌ بِالْخَلْقِ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى يَعْنِي : اسْتِقْرَارَهُ وَسُكُونَهُ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى قَالَ : إِذَا سَكَنَ ، قَالَ : ذَلِكَ سَجْوُهُ ، كَمَا يَكُونُ سُكُونُ الْبَحْرِ سَجْوَهُ .
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ : وَاللَّيْلُ إِذَا سَكَنَ بِأَهْلِهِ ، وَثَبَتَ بِظَلَامِهِ ، كَمَا يُقَالُ : بَحْرُ سَاجٍ : إِذَا كَانَ سَاكِنًا ; وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ :
فَمَا ذَنْبُنَا إِنْ جَاشَ بَحْرُ ابْنِ عَمِّكُمْ وَبَحْرُكَ سَاجٍ مَا يُوَارِي الدَّعَامِصَا [24/485]
وَقَوْلُ الرَّاجِزُ :
يَا حَبَّذَا الْقَمْرَاءُ وَاللَّيْلُ السَّاجْ وَطُرُقٌ مِثْلُ مُلَاءِ النَّسَّاجْ .
وَقَوْلُهُ : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَهَذَا جَوَابُ الْقَسَمِ ، وَمَعْنَاهُ : مَا تَرَكَكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)رَبُّكَ وَمَا أَبْغَضَكَ . وَقِيلَ : وَمَا قَلَى وَمَعْنَاهُ : وَمَا قَلَاكَ ، اكْتِفَاءٌ بِفَهْمِ السَّامِعِ لِمَعْنَاهُ ؛ إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَوْلُهُ : مَا وَدَّعَكَ فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى يَقُولُ : مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ ، وَمَا أَبْغَضَكَ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى قَالَ : مَا قَلَاكَ رَبُّكَ وَمَا أَبْغَضَكَ ; قَالَ : وَالْقَالِي : الْمُبْغِضُ .
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْذِيبًا مِنَ اللَّهِ قُرَيْشًا فِي قَيْلِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ، لَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَحْيُّ : قَدْ وَدَّعَ مُحَمَّدًا (نبي)رَبُّهُ وَقَلَاهُ .
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدَّهَانُ ، قَالَ : ثَنَا مُفَضَّلُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ الْعَبْدِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : لَمَّا أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ ، أَوْ مِنْ قَوْمِهِ : وَدَّعَ الشَّيْطَانُ مُحَمَّدًا ، (نبي)فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ : ( وَالضُّحَى ) . . . إِلَى قَوْلِهِ : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ : هُوَ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الدِّامَغَانِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْقَطَّانُ ، قَالَا ثَنَا [24/486]سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ سَمِعَ جُنْدُبًا الْبَجَلِيَّ يَقُولُ : أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَالَ الْمُشْرِكُونَ : وَدَّعَ مُحَمَّدًا (نبي)رَبُّهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى .
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْأَسَوْدِ بْنِ قَيْسٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا الْبَجْلِيَّ قَالَ : قَالَتِ امْرَأَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَرَى صَاحِبَكَ إِلَّا قَدْ أَبْطَأَ عَنْكَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَسَوْدِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : إِنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ ، فَنَزَلَتْ : وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى .
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ : ثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى قَالَ : إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ ، فَقَالَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ ، (مكان)مَا نَرَى صَاحِبَكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ فَوَدَّعَكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ مَا تَسْمَعُ : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى قَالَ : أَبْطَأُ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : قَدْ قَلَاهُ رَبُّهُ وَوَدَّعَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى مَكَثَ جِبْرِيلُ عَنْ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : قَدْ وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى قَالَ : لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا ، فَعُيِّرَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : [24/487] مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا ، وَقَالَتْ خَدِيجَةُ : أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ ، مِمَّا نَرَى مِنْ جَزَعِكَ ، قَالَ : فَنَزَلَتْ وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى . . . إِلَى آخِرِهَا .
وَقَوْلُهُ : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلِلدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيهَا ، خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدَّارِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا . يَقُولُ : فَلَا تَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا ، فَإِنَّ الَّذِي لَكَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْهَا .
وَقَوْلُهُ : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَسَوَّفَ يُعْطِيكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)رَبُّكَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ فَوَاضِلِ نِعَمِهِ ، حَتَّى تَرْضَى .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الَّذِي وَعَدَهُ مِنَ الْعَطَاءِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ ، قَالَ : ثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يُحَدِّثُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا ، فَسُرَّ بِذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفُ قَصْرٍ ، فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، قَالَ : ثَنِي رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى قَالَ : أَلْفُ قَصْرٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ ، تُرَابَهُنَّ الْمِسْكُ ، وَفِيهِنَّ مَا يُصْلِحُهُنَّ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ ، قَالَ : ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى قَالَ : مِنْ رِضَا مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ .
وَقَوْلُهُ : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُعَدِّدًا عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعَمَهُ عِنْدَهُ ، وَمُذَكِّرُهُ آلَاءَهُ قِبَلَهُ : أَلَمْ يَجِدْكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)رَبُّكَ يَتِيمًا [24/488]فَآوَى ، يَقُولُ : فَجَعَلَ لَكَ مَأْوًى تَأْوِي إِلَيْهِ ، وَمَنْزِلاً تَنْزِلُهُ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَلَى غَيْرِ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَوَجَدَكَ ضَالا قَالَ : كَانَ عَلَى أَمْرِ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ عَامًا . وَقِيلَ : عُنِيَ بِذَلِكَ : وَوَجَدَكَ فِي قَوْمٍ ضُلَّالٍ فَهَدَاكَ .
وَقَوْلُهُ : وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى يَقُولُ : وَوَجَدَكَ فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ ، يُقَالُ مِنْهُ : عَالَ فُلَانٌ يَعِيلُ عَيْلَةً ، وَذَلِكَ إِذَا افْتَقَرَ ; وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
فَمَا يَدْرِي الْفَقِيرُ مَتَى غَنَاهُ وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ
يَعْنِي : مَتَى يَفْتَقِرُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَقِيرًا .
وَذُكِرَ أَنَّهَا فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ( وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَآوَى ) .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى قَالَ : كَانَتْ هَذِهِ مَنَازِلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .