تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الليل

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى "

ج 24
ص 475

الآية المفسَّرة

وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 24 · ص 475

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ( 11 ) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ( 12 ) وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ( 13 ) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ( 14 ) لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 ) وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ( 17 ) [24/476]الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ( 18 ) .
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ : أَيُّ شَيْءٍ يُدْفَعُ عَنْ هَذَا الَّذِي بَخِلَ بِمَالِهِ ، وَاسْتَغْنَى عَنْ رَبِّهِ ، مَالَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( إِذَا ) هُوَ ( تَرَدَّى ) .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ( إِذَا تَرَدَّى ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ : إِذَا تَرَدَّى فِي جَهَنَّمَ ؛ أَيْ : سَقَطَ فِيهَا فَهَوَى .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا الْأَشْجَعِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى قَالَ : فِي جَهَنَّمَ . قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ : قَدْ سَمِعَ الْأَشْجَعِيُّ مِنْ إِسْمَاعِيلَ ذَلِكَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : إِذَا تَرَدَّى قَالَ : إِذَا تَرَدَّى فِي النَّارِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : إِذَا مَاتَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى قَالَ : إِذَا مَاتَ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : إِذَا تَرَدَّى قَالَ : إِذَا مَاتَ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا الْأَشْجَعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : إِذَا مَاتَ .
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : إِذَا تَرَدَّى فِي جَهَنَّمَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنَ التَّرَدِّي ، فَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ مَعْنَى الْمَوْتِ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : رُدِيَ فُلَانٌ ، وَقَلَّمَا يُقَالُ : تَرَدَّى .
وَقَوْلُهُ : إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ عَلَيْنَا لَبَيَانُ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَالطَّاعَةِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . [24/477]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى يَقُولُ : عَلَى اللَّهِ الْبَيَانُ ، بَيَانُ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ ، وَطَاعَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَتَأَوَّلُهُ بِمَعْنَى : أَنَّهُ مَنْ سَلَكَ الْهُدَى فَعَلَى اللَّهِ سَبِيلُهُ ، وَيَقُولُ وَهُوَ مِثْلَ قَوْلِهِ : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَيَقُولُ : مَعْنَى ذَلِكَ : مَنْ أَرَادَ اللَّهَ فَهُوَ عَلَى السَّبِيلِ الْقَاصِدِ ، وَقَالَ : يُقَالُ مَعْنَاهُ : إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وَالْإِضْلَالَ ، كَمَا قَالَ : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَهِيَ تَقِي الْحَرَّ وَالْبَرْدَ .
وَقَوْلُهُ : وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى يَقُولُ : وَإِنَّ لَنَا مُلْكَ مَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، نُعْطِي مِنْهُمَا مَنْ أَرَدْنَا مِنْ خَلْقِنَا ، وَنَحْرِمُهُ مَنْ شِئْنَا .
وَإِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ يُوَفِّقُ لِطَاعَتِهِ مَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ ، فَيُكْرِمُهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا ، وَيُهَيِّئُ لَهُ الْكَرَامَةَ وَالثَّوَابَ فِي الْآخِرَةِ ، وَيَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ خِذْلَانَهُ مِنْ خَلْقِهِ عَنْ طَاعَتِهِ ، فَيُهِينُهُ بِمَعْصِيَتِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَيُخْزِيهِ بِعُقُوبَتِهِ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ .
ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَأَنْذَرْتُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ نَارًا تَتَوَهَّجُ ، وَهِيَ نَارُ جَهَنَّمَ ، يَقُولُ : احْذَرُوا أَنْ تَعْصُوا رَبَّكُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَتَكْفُرُوا بِهِ ، فَتَصْلَوْنَهَا فِي الْآخِرَةِ . وَقِيلَ : تَلَظَّى ، وَإِنَّمَا هِيَ تَتَلَظَّى ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ، لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ ، وَلَوْ كَانَ فِعْلًا مَاضِيًا لَقِيلَ : فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّتْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : نَارًا تَلَظَّى قَالَ : تَوَهَّجَ .
وَقَوْلُهُ : لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَا يَدْخُلُهَا فَيَصْلَى بِسَعِيرِهَا إِلَّا الْأَشْقَى ، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى يَقُولُ : الَّذِي كَذَّبَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ، وَأَعْرَضَ عَنْهَا ، وَلَمْ يُصَدِّقْ بِهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . [24/478]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : ثَنَا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَتَدْخُلُنَّ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ يَأْبَى ، قَالُوا : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ : وَمَنْ يَأْبَى أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ ؟ قَالَ : فَقَرَأَ : الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى .
حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ نَاصِحٍ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَا : ثَنَا الْأَشْعَثُ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى قَالَ مُعَاذٌ : الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ، وَلَمْ يَقُلْهُ الْحَسَنَ ، قَالَ : الْمُشْرِكُ .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ : لَمْ يَكُنْ كَذَّبَ بِرَدٍّ ظَاهِرٍ ، وَلَكِنْ قَصَّرَ عَمَّا أَمَرَ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ ، فَجُعِلَ تَكْذِيبًا ، كَمَا تَقُولُ : لَقِيَ فُلَانٌ الْعَدُوَّ ، فَكَذَّبَ إِذَا نَكَلَ وَرَجَعَ ، وَذُكِرَ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ الْعَرَبِ يَقُولُ : لَيْسَ لِحَدِّهِمْ مَكْذُوبَةٌ ، بِمَعْنَى : أَنَّهُمْ إِذَا لَقُوا صَدَقُوا الْقِتَالَ ، وَلَمْ يَرْجِعُوا ; قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ .
وَقَوْلُهُ : وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى يَقُولُ : وَسَيُوَقَّى صِلِيَّ النَّارِ الَّتِي تَلَظَّى التَّقِيُّ ، وَوَضَعَ أَفْعَلُ مَوْضِعَ فَعِيلَ ، كَمَا قَالَ طَرَفَةُ :
تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِأَوْحَدِ
وَقَوْلُهُ : الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى يَقُولُ : الَّذِي يُعْطِي مَالَهُ فِي الدُّنْيَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي أَلْزَمُهُ إِيَّاهَا ، ( يَتَزَكَّى ) : يَعْنِي : يَتَطَهَّرُ بِإِعْطَائِهِ ذَلِكَ مِنْ ذُنُوبِهِ .