تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْغَاشِيَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ "

ج 24
ص 388

الآية المفسَّرة

أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 24 · ص 388

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 ) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 18 ) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ( 19 ) وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ( 20 ) .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِمُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلَى مَا وَصَفَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الْعِقَابِ وَالنَّكَالِ الَّذِي أَعَدَّهُ لِأَهْلِ عَدَاوَتِهِ ، وَالنَّعِيمِ وَالْكَرَامَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِأَهْلِ وِلَايَتِهِ : أَفَلَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ ، إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خَلَقَهَا وَسَخَّرَهَا لَهُمْ وَذَلَّلَهَا وَجَعَلَهَا تَحْمِلُ حَمْلَهَا بَارِكَةً ، ثُمَّ تَنْهَضُ بِهِ ، وَالَّذِي خَلَقَ ذَلِكَ غَيْرُ عَزِيزٍ عَلَيْهِ أَنْ يَخْلُقَ مَا وَصَفَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي قَدَرَ بِهَا عَلَى خَلْقِهَا ، لَنْ يُعْجِزَهُ خَلْقُ مَا شَابَهَهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : لَمَّا نَعَتَ اللَّهُ مَا فِي الْجَنَّةِ ، عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الضَّلَالَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ فَكَانَتِ الْإِبِلُ مِنْ عَيْشِ الْعَرَبِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ .
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمَّنْ سَمِعَ شُرَيْحًا يَقُولُ : اخْرُجُوا بِنَا نَنْظُرُ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ .
وَقَوْلُهُ : وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَفَلَا يَنْظُرُونَ أَيْضًا إِلَى [24/389]السَّمَاءِ كَيْفَ رَفَعَهَا الَّذِي أَخْبَرَكُمْ أَنَّهُ مُعِدٌّ لِأَوْلِيَائِهِ مَا وَصَفَ ، وَلِأَعْدَائِهِ مَا ذَكَرَ ، فَيَعْلَمُوا أَنَّ قُدْرَتَهُ الْقُدْرَةُ الَّتِي لَا يُعَجِّزُهُ فِعْلُ شَيْءٍ أَرَادَ فِعْلَهُ .
وَقَوْلُهُ : وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ
يَقُولُ : وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ أُقِيمَتْ مُنْتَصِبَةٌ لَا تَسْقُطُ ، فَتَنْبَسِطُ فِي الْأَرْضِ ، وَلَكِنَّهَا جَعْلُهَا بِقُدْرَتِهِ مُنْتَصِبَةً جَامِدَةً ، لَا تَبْرَحُ مَكَانَهَا ، وَلَا تَزُولُ عَنْ مَوْضِعِهَا .
وَقَدْ حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ تَصَاعَدُ إِلَى الْجَبَلِ الصَّيْخُودِ عَامَّةَ يَوْمِكَ ، فَإِذَا أَفْضَيْتَ إِلَى أَعْلَاهُ ، أَفْضَيْتَ إِلَى عُيُونٍ مُتَفَجِّرَةٍ ، وَثِمَارٍ مُتَهَدِّلَةٍ ثُمَّ لَمْ تَحْرُثْهُ الْأَيْدِي وَلَمْ تَعْمَلْهُ ، نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ ، وَبُلْغَةُ الْأَجَلِ .
وَقَوْلُهُ : وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ يَقُولُ : وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ بُسِطَتْ ، يُقَالُ : جَبَلٌ مُسَطَّحٌ : إِذَا كَانَ فِي أَعْلَاهُ اسْتِوَاءٌ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ؛ أَيْ : بُسِطَتْ ، يَقُولُ : أَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ هَذَا بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مَا أَرَادَ فِي الْجَنَّةِ .