تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْلَى

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى "

ج 24
ص 372

الآية المفسَّرة

وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 24 · ص 372

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ( 8 ) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ( 9 ) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ( 10 ) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ( 11 ) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ( 12 ) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ( 13 ) .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَنُسَهِّلُكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)لِعَمَلِ الْخَيْرِ وَهُوَ الْيُسْرَى ، وَالْيُسْرَى : هُوَ الْفُعْلَى مِنَ الْيُسْرِ .
وَقَوْلُهُ : فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَذَكِّرْ عِبَادَ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ (نبي)عَظْمَتُهُ ، وَعِظْهُمْ ، وَحَذِّرْهُمْ عُقُوبَتَهُ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى يَقُولُ : إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى الَّذِينَ قَدْ آيِسَتُكَ مِنْ إِيمَانِهِمْ ، فَلَا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرَى . وَقَوْلُهُ : ( فَذَكِّرْ ) أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَذْكِيرِ جَمِيعِ النَّاسِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدْ آيِسَتُكَ مِنْ إِيمَانِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : سَيَذَّكَّرُ يَا مُحَمَّدُ (نبي)إِذَا ذَكَّرْتَ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ بِتَذْكِيرِهِمْ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ ، وَيَخَافُ عِقَابَهُ ( وَيَتَجَنَّبُهَا ) يَقُولُ : وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرَى ( الْأَشْقَى ) يَعْنِي : أَشْقَى الْفَرِيقَيْنِ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ تَنْفَعْهُمُ الذِّكْرَى .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى فَاتَّقُوا اللَّهَ ، مَا خَشِيَ اللَّهَ عَبْدٌ قَطُّ إِلَّا ذَكَرَهُ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى فَلَا وَاللَّهِ لَا يَتَنَكَّبُ عَبْدٌ هَذَا الذِّكْرَ زُهْدًا فِيهِ وَبُغْضًا لِأَهْلِهِ ، إِلَّا شَقِيٌّ بَيِّنُ الشَّقَاءِ .
وَقَوْلُهُ : الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى يَقُولُ : الَّذِي يَرِدُ نَارَ جَهَنَّمَ ، وَهِيَ النَّارُ [24/373]الْكُبْرَى ، وَيَعْنِي بِالْكُبْرَى لِشِدَّةِ الْحَرِّ وَالْأَلَمِ .
وَقَوْلُهُ : ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا يَقُولُ : ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِي النَّارِ الْكُبْرَى وَلَا يَحْيَا ، وَذَلِكَ أَنَّ نَفْسَ أَحَدِهِمْ تَصِيرُ فِيهَا فِي حَلْقِهِ ، فَلَا تَخْرُجُ فَتُفَارِقُهُ فَيَمُوتُ ، وَلَا تَرْجِعُ إِلَى مَوْضِعِهَا مِنَ الْجِسْمِ فَيَحْيَا . وَقِيلَ : لَا يَمُوتُ فِيهَا فَيَسْتَرِيحُ ، وَلَا يَحْيَا حَيَاةً تَنْفَعُهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : قِيلَ ذَلِكَ; لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ إِذَا وَصَفَتِ الرَّجُلَ بِوُقُوعٍ فِي شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ ، قَالُوا : لَا هُوَ حَيٌّ ، وَلَا هُوَ مَيِّتٌ ، فَخَاطَبَهُمُ اللَّهُ بِالَّذِي جَرَى بِهِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ .