النص
[24/215][24/216][24/217]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى ( 2 ) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ( 4 ) .
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : ( عَبَسَ ) قَبَّضَ وَجْهَهُ تَكَرُّهًا ، ( وَتَوَلَّى ) يَقُولُ : وَأَعْرَضَ أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى يَقُولُ : لِأَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ كَانَ يُطَوِّلُ الْأَلِفَ وَيَمُدُّهَا مِنْ أَنْ جَاءَهُ فَيَقُولُ : ( آنْ جَاءَهُ ) ، وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ كَانَ عِنْدَهُ : أَأَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ؟ عَبَسَ وَتَوَلَّى ، كَمَا قَرَأَ مَنْ قَرَأَ : أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ بِمَدِّ الْأَلِفِ مِنْ " أَنْ " وَقَصْرِهَا .
وَذُكِرَ أَنَّ الْأَعْمَى الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، هُوَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، عُوتِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِهِ .
ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ ، قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أُنْزِلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَتْ : أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَقُولُ : أَرْشِدْنِي ، قَالَتْ : وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عُظَمَاءَ الْمُشْرِكِينَ ، قَالَتْ : فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْرِضُ عَنْهُ ، وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ وَيَقُولُ : " أَتَرَى بِمَا أَقُولُهُ بَأْسًا ؟ فَيَقُولُ : لَا فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ : عَبَسَ وَتَوَلَّى .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى قَالَ : " بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاجِي عُتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبَدِ الْمُطَّلِبِ ، [24/218]وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ ، وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ وَتَوَلَّى ، وَكَرِهَ كَلَامَهُ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ; فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ ، أَمْسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ ، ثُمَّ خَفَقَ بِرَأْسِهِ ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ، فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَلَّمَهُ ، وَقَالَ لَهُ : " مَا حَاجَتُكَ ، هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَهُ : " هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ " وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى قَالَ : رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ ، يُقَالُ لَهُ : ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ( عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَائِدَةَ ، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَجَاءَهُ يَسْتَقْرِئُهُ ، وَهُوَ يُنَاجِي أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ ، رَجُلٌ مِنْ عِلْيَةِ قُرَيْشٍ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا تَسْمَعُونَ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى إِلَى قَوْلِهِ : فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَخْلَفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ عَلَى الْمَدِينَةِ (مكان)فِي غَزْوَتَيْنِ غَزَاهُمَا يُصَلِّي بِأَهْلِهَا .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ رَآهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ (مكان)مَعَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ ، وَعَلَيْهِ دِرْعٌ لَهُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : جَاءَ ابْنُ أُمٍّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ : عَبَسَ وَتَوَلَّى فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ [24/219]قَالَ أَنَسُ : فَرَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ (مكان)عَلَيْهِ دِرْعٌ ، وَمَعَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : عَبَسَ وَتَوَلَّى تَصَدَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَثِيرِ الْمَالِ ، وَرَجَا أَنْ يُؤْمِنَ ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَعْمَى يُقَالُ لَهُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَرِهَهُ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَوَلَّى عَنْهُ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْغَنِيِّ ، فَوَعَظَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ، فَأَكْرَمَهُ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ (مكان)مَرَّتَيْنِ فِي غَزْوَتَيْنِ غَزَاهُمَا .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى قَالَ : جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَائِدُهُ يُبْصِرُ ، وَهُوَ لَا يُبْصِرُ ، قَالَ : وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ إِلَى قَائِدِهِ يَكُفَّ ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يَدْفَعُهُ وَلَا يُبْصِرُ; قَالَ : حَتَّى عَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى إِلَى قَوْلِهِ : فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَانَ يُقَالُ : لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ مِنَ الْوَحْيِ شَيْئًا ، كَتَمَ هَذَا عَنْ نَفْسِهِ ، قَالَ : وَكَانَ يَتَصَدَّى لِهَذَا الشَّرِيفِ فِي جَاهِلِيَّتِهِ رَجَاءَ أَنْ يُسْلِمَ ، وَكَانَ عَنْ هَذَا يَتَلَهَّى .
وَقَوْلُهُ : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا يُدْرِيكَ يَا مُحَمَّدُ لَعَلَّ هَذَا الْأَعْمَى الَّذِي عَبَسْتَ فِي وَجْهِهِ يَزَّكَّى : يَقُولُ : يَتَطَهَّرُ مِنْ ذُنُوبِهِ .
وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : لَعَلَّهُ يَزَّكَّى يُسَلِمُ .
وَقَوْلُهُ : أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ : أَوْ يَتَذَكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى : يَعْنِي : يَعْتَبِرُ فَيَنْفَعُهُ الِاعْتِبَارُ وَالِاتِّعَاظُ ، وَالْقِرَاءَةُ عَلَى رَفْعِ : ( فَتَنْفَعُهُ ) عَطْفًا بِهِ عَلَى قَوْلِهِ : ( يَذَّكَّرُ ) ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ عَاصِمٍ النَّصْبُ فِيهِ وَالرَّفْعُ ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنْ تَجْعَلَهُ جَوَابًا بِالْفَاءِ لِلْفِعْلِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أَوْ دُولَاتِهَا يُدِلْنَنَا اللَّمَّةَ مِنْ لَمَّاتِهَا [24/220]فَتَسْتَرِيحُ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا وتُنْقَعُ الْغُلَّةُ مِنْ غُلَّاتِهَا
" وَتُنْقَعُ " يُرْوَى بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى ( 2 ) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ( 4 ) .
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : ( عَبَسَ ) قَبَّضَ وَجْهَهُ تَكَرُّهًا ، ( وَتَوَلَّى ) يَقُولُ : وَأَعْرَضَ أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى يَقُولُ : لِأَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ كَانَ يُطَوِّلُ الْأَلِفَ وَيَمُدُّهَا مِنْ أَنْ جَاءَهُ فَيَقُولُ : ( آنْ جَاءَهُ ) ، وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ كَانَ عِنْدَهُ : أَأَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ؟ عَبَسَ وَتَوَلَّى ، كَمَا قَرَأَ مَنْ قَرَأَ : أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ بِمَدِّ الْأَلِفِ مِنْ " أَنْ " وَقَصْرِهَا .
وَذُكِرَ أَنَّ الْأَعْمَى الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، هُوَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، عُوتِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِهِ .
ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ ، قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أُنْزِلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَتْ : أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَقُولُ : أَرْشِدْنِي ، قَالَتْ : وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عُظَمَاءَ الْمُشْرِكِينَ ، قَالَتْ : فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْرِضُ عَنْهُ ، وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ وَيَقُولُ : " أَتَرَى بِمَا أَقُولُهُ بَأْسًا ؟ فَيَقُولُ : لَا فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ : عَبَسَ وَتَوَلَّى .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى قَالَ : " بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاجِي عُتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبَدِ الْمُطَّلِبِ ، [24/218]وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْتَقْرِئُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ ، وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ وَتَوَلَّى ، وَكَرِهَ كَلَامَهُ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخَرِينَ; فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَخَذَ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ ، أَمْسَكَ اللَّهُ بَعْضَ بَصَرِهِ ، ثُمَّ خَفَقَ بِرَأْسِهِ ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ، فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِ أَكْرَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَلَّمَهُ ، وَقَالَ لَهُ : " مَا حَاجَتُكَ ، هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ " وَإِذَا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَهُ : " هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟ " وَذَلِكَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى قَالَ : رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ ، يُقَالُ لَهُ : ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ( عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَائِدَةَ ، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَجَاءَهُ يَسْتَقْرِئُهُ ، وَهُوَ يُنَاجِي أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ ، رَجُلٌ مِنْ عِلْيَةِ قُرَيْشٍ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا تَسْمَعُونَ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى إِلَى قَوْلِهِ : فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَخْلَفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ عَلَى الْمَدِينَةِ (مكان)فِي غَزْوَتَيْنِ غَزَاهُمَا يُصَلِّي بِأَهْلِهَا .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ رَآهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ (مكان)مَعَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ ، وَعَلَيْهِ دِرْعٌ لَهُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : جَاءَ ابْنُ أُمٍّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ : عَبَسَ وَتَوَلَّى فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ [24/219]قَالَ أَنَسُ : فَرَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ (مكان)عَلَيْهِ دِرْعٌ ، وَمَعَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : عَبَسَ وَتَوَلَّى تَصَدَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَثِيرِ الْمَالِ ، وَرَجَا أَنْ يُؤْمِنَ ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَعْمَى يُقَالُ لَهُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَرِهَهُ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَوَلَّى عَنْهُ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْغَنِيِّ ، فَوَعَظَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ، فَأَكْرَمَهُ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ (مكان)مَرَّتَيْنِ فِي غَزْوَتَيْنِ غَزَاهُمَا .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى قَالَ : جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَائِدُهُ يُبْصِرُ ، وَهُوَ لَا يُبْصِرُ ، قَالَ : وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ إِلَى قَائِدِهِ يَكُفَّ ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يَدْفَعُهُ وَلَا يُبْصِرُ; قَالَ : حَتَّى عَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى إِلَى قَوْلِهِ : فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَانَ يُقَالُ : لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ مِنَ الْوَحْيِ شَيْئًا ، كَتَمَ هَذَا عَنْ نَفْسِهِ ، قَالَ : وَكَانَ يَتَصَدَّى لِهَذَا الشَّرِيفِ فِي جَاهِلِيَّتِهِ رَجَاءَ أَنْ يُسْلِمَ ، وَكَانَ عَنْ هَذَا يَتَلَهَّى .
وَقَوْلُهُ : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا يُدْرِيكَ يَا مُحَمَّدُ لَعَلَّ هَذَا الْأَعْمَى الَّذِي عَبَسْتَ فِي وَجْهِهِ يَزَّكَّى : يَقُولُ : يَتَطَهَّرُ مِنْ ذُنُوبِهِ .
وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : لَعَلَّهُ يَزَّكَّى يُسَلِمُ .
وَقَوْلُهُ : أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ : أَوْ يَتَذَكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى : يَعْنِي : يَعْتَبِرُ فَيَنْفَعُهُ الِاعْتِبَارُ وَالِاتِّعَاظُ ، وَالْقِرَاءَةُ عَلَى رَفْعِ : ( فَتَنْفَعُهُ ) عَطْفًا بِهِ عَلَى قَوْلِهِ : ( يَذَّكَّرُ ) ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ عَاصِمٍ النَّصْبُ فِيهِ وَالرَّفْعُ ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنْ تَجْعَلَهُ جَوَابًا بِالْفَاءِ لِلْفِعْلِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أَوْ دُولَاتِهَا يُدِلْنَنَا اللَّمَّةَ مِنْ لَمَّاتِهَا [24/220]فَتَسْتَرِيحُ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا وتُنْقَعُ الْغُلَّةُ مِنْ غُلَّاتِهَا
" وَتُنْقَعُ " يُرْوَى بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ .