النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : جَزَاءً وِفَاقًا ( 26 ) إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا ( 27 ) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا ( 28 ) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ( 29 ) فَذُوقُوا فَلَنْ نَـزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا ( 30 ) .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : هَذَا الْعِقَابُ الَّذِي عُوقِبَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ فِي الْآخِرَةِ فَعَلَهُ بِهِمْ رَبُّهُمْ جَزَاءً ، يَعْنِي : ثَوَابًا لَهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمُ الرَّدِيئَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنَ قَوْلِ الْقَائِلِ : وَافَقَ هَذَا الْعِقَابُ هَذَا الْعَمَلَ وِفَاقًا . [24/167]
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : جَزَاءً وِفَاقًا يَقُولُ : وَافَقَ أَعْمَالَهُمْ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : جَزَاءً وِفَاقًا وَافَقَ الْجَزَاءُ أَعْمَالَ الْقَوْمِ أَعْمَالَ السُّوءِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ جَزَاءً وِفَاقًا قَالَ : بِحَسَبَ أَعْمَالِهِمْ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : ثَنَا حَكَامٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، فِي قَوْلِهِ : جَزَاءً وِفَاقًا قَالَ : ثَوَابٌ وَافَقَ أَعْمَالَهُمْ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : جَزَاءً وِفَاقًا قَالَ : عَمِلُوا شَرًّا فَجُزُوا شَرًّا ، وَعَمِلُوا حَسَنًا فَجُزُوا حَسَنًا ، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : جَزَاءً وِفَاقًا قَالَ : جَزَاءٌ وَافَقَ أَعْمَالَ الْقَوْمِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ جَزَاءً وِفَاقًا قَالَ : وَافَقَ الْجَزَاءُ الْعَمَلَ .
وَقَوْلُهُ : إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا لَا يَخَافُونَ مُحَاسَبَةَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَلَى نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ ، وَسُوءِ شُكْرِهِمْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : لا يَرْجُونَ حِسَابًا قَالَ : لَا يُبَالُونَ فَيُصَدِّقُونَ بِالْغَيْبِ . [24/168]
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا أَيْ : لَا يَخَافُونَ حِسَابًا .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا قَالَ : لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ وَلَا بِالْحِسَابِ ، وَكَيْفَ يَرْجُو الْحِسَابَ مَنْ لَا يُوقِنُ أَنَّهُ يَحْيَا ، وَلَا يُوقِنُ بِالْبَعْثِ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا إِلَى قَوْلِهِ : أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ . وَقَرَأَ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِلَى قَوْلِهِ : جَدِيدٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : مَالَهُ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ الرَّجُلُ مَجْنُونٌ حِينَ يُخْبِرُنَا بِهَذَا .
وَقَوْلُهُ : وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكَذَّبَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ بِحُجَجِنَا وَأَدِلَّتِنَا تَكْذِيبًا . وَقِيلَ : ( كِذَّابًا ) ، وَلَمْ يَقُلْ تَكْذِيبًا تَصْدِيرًا عَلَى فِعْلِهِ .
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان)يَقُولُ : قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّ فَعَلَ مِنْهُ عَلَى أَرْبَعَةٍ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ مِثْلَ بَابِ أَفْعَلْتُ ، وَمُصَدَرِ أَفْعَلْتُ إِفْعَالًا فَقَالَ : كِذَّابًا ، فَجَعَلَهُ عَلَى عَدَدِ مَصْدَرِهِ ، قَالَ : وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ تَقُولُ : قَاتَلَ قِتَالًا قَالَ : وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ (مكان): هَذِهِ لُغَةٌ يَمَانِيَّةٌ فَصِيحَةٌ ، يَقُولُونَ : كَذَّبْتُ بِهِ كِذَّابًا ، وَخَرَّقْتُ الْقَمِيصَ خِرَّاقًا ، وَكُلُّ فَعَّلْتُ فَمَصْدَرُهَا فِعَّالٌ بِلُغَتِهِمْ مُشَدَّدَةً . قَالَ : وَقَالَ لِي أَعْرَابِيٌّ مَرَّةً عَلَى الْمَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي : الْحَلَقُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمِ الْقِصَّارُ ؟ قَالَ : وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ بَنِي كِلَابٍ :
لَقَدْ طَالَ مَا ثَبَّطَتْنِي عَنْ صَحَابَتِي وَعَنْ حِوَجٍ قِضَّاؤُهَا مِنْ شِفَائِيَا
وَأَجْمَعَتِ الْقُرَّاءُ عَلَى تَشْدِيدِ الذَّالِ مِنَ الْكِذَّابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَكَانَ الْكِسَائِيُّ [24/169]خَاصَّةً يُخَفِّفُ الثَّانِيَةَ ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا وَيَقُولُ : هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ : كَاذَبْتُهُ كِذَّابًا وَمُكَاذَبَةً ، وَيُشَدِّدُ هَذِهِ ، وَيَقُولُ : قَوْلُهُ : ( كَذَّبُوا ) يُقَيِّدُ الْكِذَّابَ بِالْمَصْدَرِ .
وَقَوْلُهُ : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فَكَتَبْنَاهُ كِتَابًا ، كَتَبْنَا عَدَدَهُ وَمَبْلَغَهُ وَقَدْرَهُ ، فَلَا يَعْزُبُ عَنَّا عِلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَنُصِبَ كِتَابًا ، لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ : ( أَحْصَيْنَاهُ ) مَصْدَرَ أَثْبَتْنَاهُ وَكَتَبْنَاهُ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : وَكُلَّ شَيْءٍ كَتَبْنَاهُ كِتَابًا .
وَقَوْلُهُ : فَذُوقُوا فَلَنْ نَـزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ فِي جَهَنَّمَ إِذَا شَرِبُوا الْحَمِيمَ وَالْغَسَّاق : ذُوقُوا أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا تُكَذِّبُونَ ، فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا عَلَى الْعَذَابِ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ ، لَا تَخْفِيفًا مِنْهُ ، وَلَا تَرَفُّهًا .
وَقَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : لَمْ تَنْزِلْ عَلَى أَهْلِ النَّارِ آيَةٌ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ : فَذُوقُوا فَلَنْ نَـزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا قَالَ : فَهُمْ فِي مَزِيدٍ مِنَ الْعَذَابِ أَبَدًا .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَذُوقُوا فَلَنْ نَـزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَقُولُ : مَا نَزَلَتْ عَلَى أَهْلُ النَّارِ آيَةٌ أَشَدُّ مِنْهَا فَذُوقُوا فَلَنْ نَـزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا فَهُمْ فِي مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ أَبَدًا .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : هَذَا الْعِقَابُ الَّذِي عُوقِبَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ فِي الْآخِرَةِ فَعَلَهُ بِهِمْ رَبُّهُمْ جَزَاءً ، يَعْنِي : ثَوَابًا لَهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمُ الرَّدِيئَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنَ قَوْلِ الْقَائِلِ : وَافَقَ هَذَا الْعِقَابُ هَذَا الْعَمَلَ وِفَاقًا . [24/167]
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : جَزَاءً وِفَاقًا يَقُولُ : وَافَقَ أَعْمَالَهُمْ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : جَزَاءً وِفَاقًا وَافَقَ الْجَزَاءُ أَعْمَالَ الْقَوْمِ أَعْمَالَ السُّوءِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ جَزَاءً وِفَاقًا قَالَ : بِحَسَبَ أَعْمَالِهِمْ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : ثَنَا حَكَامٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، فِي قَوْلِهِ : جَزَاءً وِفَاقًا قَالَ : ثَوَابٌ وَافَقَ أَعْمَالَهُمْ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : جَزَاءً وِفَاقًا قَالَ : عَمِلُوا شَرًّا فَجُزُوا شَرًّا ، وَعَمِلُوا حَسَنًا فَجُزُوا حَسَنًا ، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : جَزَاءً وِفَاقًا قَالَ : جَزَاءٌ وَافَقَ أَعْمَالَ الْقَوْمِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ جَزَاءً وِفَاقًا قَالَ : وَافَقَ الْجَزَاءُ الْعَمَلَ .
وَقَوْلُهُ : إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا لَا يَخَافُونَ مُحَاسَبَةَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَلَى نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ ، وَسُوءِ شُكْرِهِمْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : لا يَرْجُونَ حِسَابًا قَالَ : لَا يُبَالُونَ فَيُصَدِّقُونَ بِالْغَيْبِ . [24/168]
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا أَيْ : لَا يَخَافُونَ حِسَابًا .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا قَالَ : لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ وَلَا بِالْحِسَابِ ، وَكَيْفَ يَرْجُو الْحِسَابَ مَنْ لَا يُوقِنُ أَنَّهُ يَحْيَا ، وَلَا يُوقِنُ بِالْبَعْثِ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا إِلَى قَوْلِهِ : أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ . وَقَرَأَ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِلَى قَوْلِهِ : جَدِيدٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : مَالَهُ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ الرَّجُلُ مَجْنُونٌ حِينَ يُخْبِرُنَا بِهَذَا .
وَقَوْلُهُ : وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكَذَّبَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ بِحُجَجِنَا وَأَدِلَّتِنَا تَكْذِيبًا . وَقِيلَ : ( كِذَّابًا ) ، وَلَمْ يَقُلْ تَكْذِيبًا تَصْدِيرًا عَلَى فِعْلِهِ .
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان)يَقُولُ : قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّ فَعَلَ مِنْهُ عَلَى أَرْبَعَةٍ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ مِثْلَ بَابِ أَفْعَلْتُ ، وَمُصَدَرِ أَفْعَلْتُ إِفْعَالًا فَقَالَ : كِذَّابًا ، فَجَعَلَهُ عَلَى عَدَدِ مَصْدَرِهِ ، قَالَ : وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ تَقُولُ : قَاتَلَ قِتَالًا قَالَ : وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ (مكان): هَذِهِ لُغَةٌ يَمَانِيَّةٌ فَصِيحَةٌ ، يَقُولُونَ : كَذَّبْتُ بِهِ كِذَّابًا ، وَخَرَّقْتُ الْقَمِيصَ خِرَّاقًا ، وَكُلُّ فَعَّلْتُ فَمَصْدَرُهَا فِعَّالٌ بِلُغَتِهِمْ مُشَدَّدَةً . قَالَ : وَقَالَ لِي أَعْرَابِيٌّ مَرَّةً عَلَى الْمَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي : الْحَلَقُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمِ الْقِصَّارُ ؟ قَالَ : وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ بَنِي كِلَابٍ :
لَقَدْ طَالَ مَا ثَبَّطَتْنِي عَنْ صَحَابَتِي وَعَنْ حِوَجٍ قِضَّاؤُهَا مِنْ شِفَائِيَا
وَأَجْمَعَتِ الْقُرَّاءُ عَلَى تَشْدِيدِ الذَّالِ مِنَ الْكِذَّابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَكَانَ الْكِسَائِيُّ [24/169]خَاصَّةً يُخَفِّفُ الثَّانِيَةَ ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا وَيَقُولُ : هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ : كَاذَبْتُهُ كِذَّابًا وَمُكَاذَبَةً ، وَيُشَدِّدُ هَذِهِ ، وَيَقُولُ : قَوْلُهُ : ( كَذَّبُوا ) يُقَيِّدُ الْكِذَّابَ بِالْمَصْدَرِ .
وَقَوْلُهُ : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فَكَتَبْنَاهُ كِتَابًا ، كَتَبْنَا عَدَدَهُ وَمَبْلَغَهُ وَقَدْرَهُ ، فَلَا يَعْزُبُ عَنَّا عِلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَنُصِبَ كِتَابًا ، لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ : ( أَحْصَيْنَاهُ ) مَصْدَرَ أَثْبَتْنَاهُ وَكَتَبْنَاهُ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : وَكُلَّ شَيْءٍ كَتَبْنَاهُ كِتَابًا .
وَقَوْلُهُ : فَذُوقُوا فَلَنْ نَـزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ فِي جَهَنَّمَ إِذَا شَرِبُوا الْحَمِيمَ وَالْغَسَّاق : ذُوقُوا أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا تُكَذِّبُونَ ، فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا عَلَى الْعَذَابِ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ ، لَا تَخْفِيفًا مِنْهُ ، وَلَا تَرَفُّهًا .
وَقَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : لَمْ تَنْزِلْ عَلَى أَهْلِ النَّارِ آيَةٌ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ : فَذُوقُوا فَلَنْ نَـزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا قَالَ : فَهُمْ فِي مَزِيدٍ مِنَ الْعَذَابِ أَبَدًا .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَذُوقُوا فَلَنْ نَـزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَقُولُ : مَا نَزَلَتْ عَلَى أَهْلُ النَّارِ آيَةٌ أَشَدُّ مِنْهَا فَذُوقُوا فَلَنْ نَـزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا فَهُمْ فِي مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ أَبَدًا .