النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ( 15 ) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ( 16 ) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ( 17 ) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ( 18 ) [24/156]وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ( 19 ) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ( 20 ) .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : لِنَخْرُجَ بِالْمَاءِ الَّذِي نُنْزِلُهُ مِنَ الْمُعْصِرَاتِ إِلَى الْأَرْضِ حَبًّا ، وَالْحَبُّ كُلُّ مَا تَضَمَّنُهُ كِمَامُ الزَّرْعِ الَّتِي تُحْصَدُ ، وَهِيَ جَمْعُ حَبَّةٍ ، كَمَا الشَّعِيرُ جَمْعُ شَعِيرَةٍ ، وَكَمَا التَّمْرُ جَمْعُ تَمْرَةٍ : وَأَمَّا النَّبَاتُ فَهُوَ الْكَلَأُ الَّذِي يُرْعَى ، مِنَ الْحَشِيشِ وَالزُّرُوعِ .
وَقَوْلُهُ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا يَقُولُ : وَلِنُخْرِجَ بِذَلِكَ الْغَيْثِ جَنَّاتٍ ، وَهِيَ الْبَسَاتِينُ ، وَقَالَ : ( وَجَنَّاتٍ ) وَالْمَعْنَى : وَثَمَرَ جَنَّاتٍ ، فَتَرَكَ ذِكْرَ الثَّمَرِ اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِهِ . وَقَوْلُهُ : ( أَلْفَافًا ) يَعْنِي : مُلْتَفَّةً مُجْتَمِعَةً .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : مُجْتَمِعَةٌ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا يَقُولُ : وَجَنَّاتٍ الْتَفَّ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : مُلْتَفَّةٌ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : الْتَفَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : الْتَفَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : مُلْتَفَّةٌ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : هِيَ الْمُلْتَفَّةُ ، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَاحِدِ الْأَلْفَافِ ، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان)يَقُولُ : [24/157]وَاحِدُهَا : لَفٌّ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ (مكان): وَاحِدُهَا : لُفٌّ وَلَفِيفٌ ، قَالَ : وَإِنْ شِئْتَ كَانَ الْإِلْفَافُ جَمْعًا وَاحِدُهُ جَمَعٌ أَيْضًا ، فَتَقُولُ : جَنَّةٌ لَفَّاءُ ، وَجَنَّاتٌ لُفٌّ ، ثُمَّ يُجْمَعُ اللُّفُّ أَلْفَافًا .
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ : لَمْ نَسْمَعْ شَجَرَةٌ لَفَّةٌ ، وَلَكِنَّ وَاحِدَهَا لَفَّاءُ ، وَجَمْعَهَا لُفٌّ ، وَجَمْعُ لُفٍّ : أَلْفَافٌ ، فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَلْفَافَ جَمْعُ لُفٍّ أَوْ لَفِيفٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : مُلْتَفَّةٌ ، وَاللَّفَّاءُ ، هِيَ الْغَلِيظَةُ ، وَلَيْسَ الِالْتِفَافُ مِنَ الْغِلَظِ فِي شَيْءٍ ، إِلَّا أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى أَنَّهُ غِلَظُ الِالْتِفَافِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ وَجْهًا .
وَقَوْلُهُ : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ يَوْمَ يَفْصِلُ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ ، فَيَأْخُذُ فِيهِ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ، كَانَ مِيقَاتًا لَمَّا أَنْفَذَ اللَّهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ ، وَلِضُرَبَائِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا وَهُوَ يَوْمٌ عَظَّمَهُ اللَّهُ ، يَفْصِلُ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ بِأَعْمَالِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ تَرْجَمَ بِيَوْمَ يُنْفَخُ عَنْ يَوْمِ الْفَصْلِ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ أَجَلًا لَمَّا وَعَدْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ ، يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الصُّورُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ ، وَذَكَرْتُ اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَهُوَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ عِنْدَنَا .
كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَسْلَمَ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ شَغَافٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " الصُّورُ : قَرْنٌ " .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَالصُّور : الْخَلْقُ .
وَقَوْلُهُ : فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا يَقُولُ : فَيَجِيئُونَ زُمَرًا زُمَرًا ، وَجَمَاعَةً جَمَاعَةً .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [24/158]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ . قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : ( أَفْوَاجًا ) قَالَ : زُمَرًا زُمَرًا .
وَإِنَّمَا قِيلَ : فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا لِأَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهَا رَسُولًا تَأْتِي مَعَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهَا كَمَا قَالَ : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ
وَقَوْلُهُ : وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَشُقِّقَتِ السَّمَاءُ فَصُدِّعَتْ ، فَكَانَتْ طُرُقًا ، وَكَانَتْ مِنْ قَبْلُ شِدَادًا لَا فُطُورَ فِيهَا وَلَا صُدُوعَ . وَقِيلَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ قِطَعًا كَقَطَعِ الْخَشَبِ الْمُشَقَّقَةِ لِأَبْوَابِ الدَّوْرِ وَالْمَسَاكِنِ ، قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ قِطَعًا كَالْأَبْوَابِ ، فَلَمَّا أُسْقِطَتِ الْكَافُ صَارَتِ الْأَبْوَابُ الْخَبَرَ ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَسَدًا ، يَعْنِي : كَالْأَسَدِ .
وَقَوْلُهُ : وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا يَقُولُ : وَنُسِفَتِ الْجِبَالُ فَاجْتُثَّتْ مِنْ أُصُولِهَا ، فَصُيِّرَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ، لِعَيْنِ النَّاظِرِ ، كَالسَّرَابِ الَّذِي يَظُنُّ مَنْ يَرَاهُ مِنْ بُعْدٍ مَاءً ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ هَبَاءٌ .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : لِنَخْرُجَ بِالْمَاءِ الَّذِي نُنْزِلُهُ مِنَ الْمُعْصِرَاتِ إِلَى الْأَرْضِ حَبًّا ، وَالْحَبُّ كُلُّ مَا تَضَمَّنُهُ كِمَامُ الزَّرْعِ الَّتِي تُحْصَدُ ، وَهِيَ جَمْعُ حَبَّةٍ ، كَمَا الشَّعِيرُ جَمْعُ شَعِيرَةٍ ، وَكَمَا التَّمْرُ جَمْعُ تَمْرَةٍ : وَأَمَّا النَّبَاتُ فَهُوَ الْكَلَأُ الَّذِي يُرْعَى ، مِنَ الْحَشِيشِ وَالزُّرُوعِ .
وَقَوْلُهُ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا يَقُولُ : وَلِنُخْرِجَ بِذَلِكَ الْغَيْثِ جَنَّاتٍ ، وَهِيَ الْبَسَاتِينُ ، وَقَالَ : ( وَجَنَّاتٍ ) وَالْمَعْنَى : وَثَمَرَ جَنَّاتٍ ، فَتَرَكَ ذِكْرَ الثَّمَرِ اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِهِ . وَقَوْلُهُ : ( أَلْفَافًا ) يَعْنِي : مُلْتَفَّةً مُجْتَمِعَةً .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : مُجْتَمِعَةٌ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا يَقُولُ : وَجَنَّاتٍ الْتَفَّ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : مُلْتَفَّةٌ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : الْتَفَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : الْتَفَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : مُلْتَفَّةٌ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا قَالَ : هِيَ الْمُلْتَفَّةُ ، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَاحِدِ الْأَلْفَافِ ، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان)يَقُولُ : [24/157]وَاحِدُهَا : لَفٌّ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ (مكان): وَاحِدُهَا : لُفٌّ وَلَفِيفٌ ، قَالَ : وَإِنْ شِئْتَ كَانَ الْإِلْفَافُ جَمْعًا وَاحِدُهُ جَمَعٌ أَيْضًا ، فَتَقُولُ : جَنَّةٌ لَفَّاءُ ، وَجَنَّاتٌ لُفٌّ ، ثُمَّ يُجْمَعُ اللُّفُّ أَلْفَافًا .
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ : لَمْ نَسْمَعْ شَجَرَةٌ لَفَّةٌ ، وَلَكِنَّ وَاحِدَهَا لَفَّاءُ ، وَجَمْعَهَا لُفٌّ ، وَجَمْعُ لُفٍّ : أَلْفَافٌ ، فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَلْفَافَ جَمْعُ لُفٍّ أَوْ لَفِيفٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : مُلْتَفَّةٌ ، وَاللَّفَّاءُ ، هِيَ الْغَلِيظَةُ ، وَلَيْسَ الِالْتِفَافُ مِنَ الْغِلَظِ فِي شَيْءٍ ، إِلَّا أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى أَنَّهُ غِلَظُ الِالْتِفَافِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ وَجْهًا .
وَقَوْلُهُ : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ يَوْمَ يَفْصِلُ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ ، فَيَأْخُذُ فِيهِ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ، كَانَ مِيقَاتًا لَمَّا أَنْفَذَ اللَّهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ ، وَلِضُرَبَائِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا وَهُوَ يَوْمٌ عَظَّمَهُ اللَّهُ ، يَفْصِلُ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ بِأَعْمَالِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ تَرْجَمَ بِيَوْمَ يُنْفَخُ عَنْ يَوْمِ الْفَصْلِ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ أَجَلًا لَمَّا وَعَدْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ ، يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الصُّورُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ ، وَذَكَرْتُ اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَهُوَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ عِنْدَنَا .
كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَسْلَمَ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ شَغَافٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " الصُّورُ : قَرْنٌ " .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَالصُّور : الْخَلْقُ .
وَقَوْلُهُ : فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا يَقُولُ : فَيَجِيئُونَ زُمَرًا زُمَرًا ، وَجَمَاعَةً جَمَاعَةً .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [24/158]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ . قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : ( أَفْوَاجًا ) قَالَ : زُمَرًا زُمَرًا .
وَإِنَّمَا قِيلَ : فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا لِأَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهَا رَسُولًا تَأْتِي مَعَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهَا كَمَا قَالَ : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ
وَقَوْلُهُ : وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَشُقِّقَتِ السَّمَاءُ فَصُدِّعَتْ ، فَكَانَتْ طُرُقًا ، وَكَانَتْ مِنْ قَبْلُ شِدَادًا لَا فُطُورَ فِيهَا وَلَا صُدُوعَ . وَقِيلَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ قِطَعًا كَقَطَعِ الْخَشَبِ الْمُشَقَّقَةِ لِأَبْوَابِ الدَّوْرِ وَالْمَسَاكِنِ ، قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ قِطَعًا كَالْأَبْوَابِ ، فَلَمَّا أُسْقِطَتِ الْكَافُ صَارَتِ الْأَبْوَابُ الْخَبَرَ ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَسَدًا ، يَعْنِي : كَالْأَسَدِ .
وَقَوْلُهُ : وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا يَقُولُ : وَنُسِفَتِ الْجِبَالُ فَاجْتُثَّتْ مِنْ أُصُولِهَا ، فَصُيِّرَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ، لِعَيْنِ النَّاظِرِ ، كَالسَّرَابِ الَّذِي يَظُنُّ مَنْ يَرَاهُ مِنْ بُعْدٍ مَاءً ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ هَبَاءٌ .