تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ النَّبَأِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا "

ج 24
ص 151

الآية المفسَّرة

أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 24 · ص 151

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا ( 6 ) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ( 7 ) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ( 8 ) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ( 9 ) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ( 10 ) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ( 11 ) .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُعَدِّدًا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ نِعَمَهُ وَأَيَادِيَهُ عِنْدَهُمْ ، وَإِحْسَانَهُ إِلَيْهِمْ ، وَكُفْرَانَهُمْ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ ، وَمُتَوَعِّدَهُمْ بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ مِنْ صُنُوفِ عِقَابِهِ ، وَأَلِيمِ عَذَابِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ : أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ لَكُمْ مِهَادًا تَمْتَدُّونَهَا وَتَفْتَرِشُونَهَا .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا : أَيْ بِسَاطًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا يَقُولُ : وَالْجِبَالُ لِلْأَرْضِ أَوْتَادًا أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ، وَطِوَالًا وَقِصَارًا ، أَوْ ذَوِي دَمَامَةٍ وَجَمَالٍ ، مِثْلَ قَوْلِهِ : الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ يَعْنِي بِهِ : صَيَّرْنَاهُمْ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا يَقُولُ : وَجَعَلَنَا نَوْمكُمْ لَكُمْ رَاحَةً وَدَعَةً ، تَهْدَءُونَ بِهِ وَتَسْكُنُونَ ، كَأَنَّكُمْ أَمْوَاتٌ لَا تَشْعُرُونَ ، وَأَنْتُمْ أَحْيَاءٌ لَمْ تُفَارِقْكُمُ الْأَرْوَاحُ ، وَالسَّبْتَ وَالسُّبَاتُ : هُوَ السُّكُونُ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ السَّبْتُ سَبْتًا ، لِأَنَّهُ يَوْمُ رَاحَةٍ وَدَعَةٍ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَجَعَلَنَا اللَّيْلَ لَكُمْ غِشَاءً يَتَغَشَّاكُمْ سَوَادُهُ ، وَتُغَطِّيكُمْ ظُلْمَتُهُ ، كَمَا يُغَطِّي الثَّوْبُ لَابَسَهُ لِتَسْكُنُوا فِيهِ عَنِ التَّصَرُّفِ لَمَّا كُنْتُمْ تَتَصَرَّفُونَ لَهُ نَهَارًا; وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ أَوْ حِينَ نَصَّبَتْ لَهُ مِنْ خَذَا آذَانِهَا وَهْوَ دَالِحُ [24/152]
يَعْنِي بِقَوْلِهِ " لَبِسْنَ اللَّيْلَ " : أُدْخِلْنَ فِي سَوَادِهِ فَاسْتَتَرْنَ بِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا قَالَ : سَكَنًا . وَقَوْلُهُ : وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا يَقُولُ : وَجَعَلَنَا النَّهَارَ لَكُمْ ضِيَاءً لِتَنْتَشِرُوا فِيهِ لِمَعَاشِكُمْ ، وَتَتَصَرَّفُوا فِيهِ لِمَصَالِحِ دُنْيَاكُمْ ، وَابْتِغَاءِ فَضَلِ اللَّهِ فِيهِ ، وَجَعَلَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ النَّهَارَ إِذْ كَانَ سَبَبًا لِتَصَرُّفِ عِبَادِهِ لِطَلَبِ الْمَعَاشِ فِيهِ مَعَاشًا ، كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ :
وَأَخُو الْهُمُومِ إِذَا الْهُمُومُ تَحَضَّرَتْ جُنْحَ الظَّلَامِ وِسَادُهُ لَا يَرْقُدُ
فَجَعْلَ الْوِسَادَ هُوَ الَّذِي لَا يَرْقُدُ ، وَالْمَعْنَى لِصَاحِبِ الْوِسَادِ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : النَّهَارَ مَعَاشًا قَالَ : يَبْتَغُونَ فِيهِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ .