تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُرْسَلَاتِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ "

ج 24
ص 144

الآية المفسَّرة

كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 24 · ص 144

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ( 46 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 47 ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ( 48 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 49 ) .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَهَدُّدًا وَوَعِيدًا مِنْهُ لِلْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ : كُلُوا فِي بَقِيَّةِ آجَالِكُمْ ، وَتَمَتَّعُوا بِبَقِيَّةِ أَعْمَارِكُمْ إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ مَسْنُونٌ بِكُمْ سَنَةَ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ مُجْرِمِي الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ الَّتِي مُتِّعَتْ بِأَعْمَارِهَا إِلَى بُلُوغِ كُتُبِهَا آجَالَهَا ، ثُمَّ انْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهَا بِكُفْرِهَا ، وَتَكَذِبِيهَا رُسُلَهَا .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فَى قَوْلِهِ : كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ قَالَ : عُنِيَ بِهِ أَهْلُ الْكُفْرِ .
وَقَوْلُهُ : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكْذِّبِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا خَبَرَ اللَّهِ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ بِهِ عَمَّا هُوَ فَاعِلٌ بِهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
وَقَوْلُهُ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ الْمُجْرِمِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِوَعِيدِ اللَّهِ أَهْلَ التَّكْذِيبِ بِهِ : ارْكَعُوا; لَا يَرْكَعُونَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْحِينِ الَّذِي يُقَالُ لَهُمْ فِيهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُقَالُ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ يَقُولُ : يُدْعَوْنٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ السُّجُودَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قِيلَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ عَلَيْكُمْ بِحُسْنِ الرُّكُوعِ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ . وَقَالَ [24/145]قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَلَا يَرْكَعُ ، وَآخَرَ يَجُرُّ إِزَارَهُ ، فَضَحِكَ ، قَالُوا : مَا يُضْحِكُكَ ؟ قَالَ : أَضْحَكَنِي رَجُلَانِ ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ صِلَاتَهُ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ .
وَقِيلَ : عُنِيَ بِالرُّكُوعِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الصَّلَاةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ قَالَ : صَلَّوْا .
وَأُولَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَهُ مُخَالْفِينَ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، لَا يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِهِ ، وَلَا يَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ .
وَقَوْلُهُ : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يَقُولُ : وَيْلٌ لِلَّذِينِ كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ ، فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ مَا بَلَّغُوا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ ، وَنَهْيِهِ لَهُمْ .