تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُرْسَلَاتِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ "

ج 24
ص 129

الآية المفسَّرة

إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 24 · ص 129

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ( 7 ) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ( 8 ) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ ( 9 ) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ( 10 ) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ( 11 ) لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ( 12 ) لِيَوْمِ الْفَصْلِ ( 13 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ( 14 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 15 ) .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَالْمُرْسِلَاتِ عُرْفًا ، إِنَّ الَّذِي تُوعَدُونَ أَيُّهَا النَّاسُ مِنَ الْأُمُورِ لَوَاقِعٌ ، وَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ ، يَعْنِي بِذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ أَعَدَّ لِخَلْقِهِ يَوْمَئِذٍ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعَذَابِ .
وَقَوْلُهُ : فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ يَقُولُ : فَإِذَا النُّجُومُ ذَهَبَ ضِيَاؤُهَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا نُورٌ وَلَا ضَوْءٌ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ يَقُولُ : وَإِذَا السَّمَاءُ شُقِّقَتْ وَصُدَّعَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ يَقُولُ : وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ مِنْ أَصْلِهَا ، فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِذَا الرُّسُلُ أُجِّلَتْ لِلِاجْتِمَاعِ لِوَقْتِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ يَقُولُ : جُمِعَتْ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، [24/130]فِي قَوْلِ اللَّهِ : ( أُقِّتَتْ ) قَالَ : أُجِّلَتْ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ قَالَ : أُجِّلَتْ .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ; وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا مَهْرَانُ ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ قَالَ : أُوعِدَتْ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ قَالَ : أُقَتِّتْ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَرَأَ : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ قَالَ : وَالْأَجَلُ : الْمِيقَاتُ ، وَقَرَأَ : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ، وَقَرَأَ : إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قَالَ : إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، قَالَ : لَهُمْ أَجَلٌ إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى يَبْلُغُوهُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ قَالَ : وُعِدَتْ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ (مكان)غَيْرَ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ (مكان): ( أُقِّتَتْ ) بِالْأَلِفِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ ، وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ (مكان)بِالْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ ( وُقِّتَتْ ) وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ ( وُقِتَتْ ) بِالْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ كُلَّ ذَلِكَ قِرَاءَاتٌ مَعْرُوفَاتٌ وَلُغَاتٌ مَشْهُورَاتٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَبِأَيَّتِهَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ فُعِّلَتْ مِنَ الْوَقْتِ ، غَيْرَ أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَسْتَثْقِلُ ضَمَّةَ الْوَاوِ ، كَمَا يَسْتَثْقِلُ كَسْرَةَ الْيَاءِ فِي أَوَّلِ الْحِرْفِ فَيَهْمِزُهَا ، فَيَقُولُ : هَذِهِ أُجُوهٌ حِسَانٌ بِالْهَمْزَةِ ، وَيُنْشِدُ بَعْضُهُمْ :
يَحُلُّ أَحِيدَهٌ وَيُقَالُ بَعْلٌ ومِثْلُ تَمَوُّلٍ مِنْهُ افْتِقارُ [24/131]
وَقَوْلُهُ : لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُعَجِّبًا عِبَادَهُ مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَشِدَّتِهِ : لِأَيِ يَوْمٍ أُجِّلَتِ الرُّسُلُ وَوُقِّتَتْ ، مَا أَعْظَمَهُ وَأَهْوَلَهُ; ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ : وَأَيُّ يَوْمٍ هُوَ ؟ فَقَالَ : أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ يَقُولُ : لِيَوْمٍ يَفْصِلُ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ الْقَضَاءَ ، فَيَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ ، وَيَجْزِي الْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ ، وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ يَوْمٌ يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَإِلَى النَّارِ .
وَقَوْلُهُ : وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَيُّ شَيْءٍ أَدْرَاكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)مَا يَوْمَ الْفَصْلِ ، مُعَظِّمًا بِذَلِكَ أَمْرَهُ ، وَشِدَّةَ هَوْلِهِ .
كَمَا حَدَّثَنِي بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ تَعْظِيمًا لِذَلِكَ الْيَوْمِ .
وَقَوْلُهُ : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : الْوَادِي الَّذِي يَسِيلُ فِي جَهَنَّمَ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِهَا لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الْفَصْلِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وَيْلٌ وَاللَّهِ طَوِيلٌ .