تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " كَلَّا وَالْقَمَرِ "

ج 24
ص 32

الآية المفسَّرة

كَلا وَالْقَمَرِ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 24 · ص 32

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : كَلا وَالْقَمَرِ ( 32 ) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ( 33 ) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ( 34 ) إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ ( 35 ) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ( 36 ) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ( 37 ) .
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ ( كَلَّا ) لَيْسَ الْقَوْلُ كَمَا يَقُولُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَكْفِي أَصْحَابَهُ الْمُشْرِكِينَ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ حَتَّى يُجْهِضَهُمْ عَنْهَا ، ثُمَّ أَقْسَمَ رَبُّنَا تَعَالَى فَقَالَ : وَالْقَمَرَ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ يَقُولُ : وَاللَّيْلُ إِذْ وَلَّى ذَاهِبًا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ إِذْ وَلَّى .
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ; عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ دُبُورُهُ : إِظْلَامُهُ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ (مكان)وَالْبَصْرَةِ (مكان) إِذْ أَدْبَرَ ، وَبَعْضُ قُرَّاءِ مَكَّةَ (مكان)وَالْكُوفَةِ (مكان)( إِذَا دَبِرَ ) . [24/33]
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : هُمَا لُغَتَانِ ، يُقَالُ : دَبِرَ النَّهَارُ وَأَدْبَرَ ، وَدَبِرَ الصَّيْفُ وَأَدْبَرَ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ قَبِلَ وَأَقْبَلَ ; فَإِذَا قَالُوا : أَقْبَلَ الرَّاكِبَ وَأَدْبَرَ لَمْ يَقُولُوهُ إِلَّا بِالْأَلِفِ . وَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : ( وَاللَّيْلِ إِذَا دَبَرَ ) يَعْنِي : إِذَا دَبَرَ النَّهَارَ وَكَانَ فِي آخِرِهِ ; قَالَ : وَيُقَالُ : دَبَرَنِي : إِذَا جَاءَ خَلْفِي ، وَأَدْبَرَ : إِذَا وَلَّى .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَحْكِيٌّ عَنِ الْعَرَبِ : قَبَّحَ اللَّهُ مَا قَبِلَ مِنْهُ وَمَا دَبِرَ . وَأُخْرَى أَنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ لَمْ يُمَيِّزُوا فِي تَفْسِيرِهِمْ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَقَوْلُهُ : وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَالصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ .
كَمًّا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ إِذَا أَضَاءَ وَأَقْبَلَ إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ جَهَنَّمَ لِإِحْدَى الْكِبَرِ ، يَعْنِي : الْأُمُورَ الْعِظَامَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنِي عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ يَعْنِي : جَهَنَّمَ .
حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ ، عَنْ أَبِي رُزَيْنٍ إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ قَالَ : جَهَنَّمُ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ قَالَ : هَذِهِ النَّارُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ قَالَ : هِيَ النَّارُ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ يَعْنِي : جَهَنَّمُ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ يَعْنِي جَهَنَّمَ .
وَقَوْلُهُ : نَذِيرًا لِلْبَشَرِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ النَّارَ لِإِحْدَى الْكُبَرِ ، نَذِيرًا لِبَنِي آدَمَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ، وَمَا الْمَوْصُوفُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ النَّارُ ، وَقَالُوا : هِيَ صِفَةٌ لِلْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ ( إِنَّهَا ) وَقَالُوا : هِيَ النَّذِيرُ ، فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ النَّذِيرُ نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ مِنْ إِحْدَى الْكُبَرِ; لِأَنَّ إِحْدَى [24/34]الْكُبَرِ مَعْرِفَةٌ ، وَقَوْلُهُ : ( نَذِيرًا ) نَكِرَةٌ ، وَالْكَلَامُ قَدْ يَحْسُنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ دُونَهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ الْحَسَنُ : وَاللَّهِ مَا أُنْذِرَ النَّاسُ بِشَيْءٍ أَدْهَى مِنْهَا ، أَوْ بِدَاهِيَةٍ هِيَ أَدْهَى مِنْهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ ، أَنَّهُ نَذِيرٌ لِخَلْقِهِ ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَصْبُ قَوْلِهِ ( نَذِيرًا ) عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ جُمْلَةِ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ، يَعْنِي : إِنْذَارًا لَهُمْ; فَيَكُونُ قَوْلُهُ ( نَذِيرًا ) بِمَعْنَى إِنْذَارًا لَهُمْ; كَمَا قَالَ : فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ بِمَعْنَى إِنْذَارِي; وَيَكُونُ أَيْضًا بِمَعْنَى : إِنَّهَا لِإِحْدَى الْكُبَرِ; صَيَّرْنَا ذَلِكَ كَذَلِكَ نَذِيرًا ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ : إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ مُؤَدِّيًا عَنْ مَعْنَى صَيَّرْنَا ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَصْدُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي رُزَيْنٍ إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ قَالَ : جَهَنَّمُ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ يَقُولُ اللَّهُ : أَنَا لَكُمْ مِنْهَا نَذِيرٌ فَاتَّقَوْهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالُوا : نَصْبُ ( نَذِيرًا ) عَلَى الْحَالِ مِمَّا فِي قَوْلِهِ " قُمْ " ، وَقَالُوا : مَعْنَى الْكَلَامِ : قُمْ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ فَأَنْذِرْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : نَذِيرًا لِلْبَشَرِ قَالَ : الْخَلْقُ . قَالَ : بَنُو آدَمَ ، (نبي)الْبَشَرُ . فَقِيلَ لَهُ : مُحَمَّدٌ (نبي)النَّذِيرُ ؟ قَالَ : نَعِمَ يُنْذِرُهُمْ .
وَقَوْلُهُ : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : نَذِيرًا لِلْبِشْرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، أَوْ يَتَأَخَّرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ قَالَ : مَنْ [24/35]شَاءَ اتَّبَعَ طَاعَةَ اللَّهِ ، وَمَنْ شَاءَ تَأَخَّرَ عَنْهَا .
حَدَّثَنِي بِشْرٌ; قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ; قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ; عَنْ قَتَادَةَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ يَتَقَدَّمَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، أَوْ يَتَأَخَّرَ فِي مَعْصِيَتِهِ .