تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ نُوحٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا "

ج 23
ص 637

الآية المفسَّرة

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 23 · ص 637

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا ( 19 ) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا ( 20 ) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا ( 21 ) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ( 22 )
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ نُوحٍ (نبي)لِقَوْمِهِ ، مُذَكِّرَهُمْ نِعَمَ رَبِّهِ : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا تَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهَا وَتَمْتَهِدُونَهَا .
وَقَوْلُهُ : لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا يَقُولُ : لِتَسْلُكُوا مِنْهَا طُرُقًا صِعَابًا مُتَفَرِّقَةً; وَالْفِجَاجُ : جَمْعُ فَجٍّ ، وَهُوَ الطَّرِيقُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . [23/638]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا قَالَ : طُرُقًا وَأَعْلَامًا .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا قَالَ : طُرُقًا .
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا يَقُولُ : طُرُقًا مُخْتَلِفَةً .
وَقَوْلُهُ : قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي فَخَالَفُوا أَمْرِي ، وَرَدُّوا عَلَيَّ مَا دَعَوْتُهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَالرَّشَادِ وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا يَقُولُ : وَاتَّبَعُوا فِي مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّايَ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ ، مِمَّنْ كَثُرَ مَالُهُ وَوَلَدُهُ ، فَلَمْ تَزِدْهُ كَثْرَةُ مَالِهِ وَوَلَدِهِ إِلَّا خَسَارًا ، بُعْدًا مِنَ اللَّهِ ، وَذَهَابًا عَنْ مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( وَوَلَدُهُ ) فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ (مكان): ( وَوَلَدُهُ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ ، وَكَذَلِكَ قَرَءُوا ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ (مكان)بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا كَانَ مِنْ ذِكْرِ الْوَلَدِ مِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَرْفِ الْوَاحِدِ فِي سُورَةِ نُوحٍ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَضُمُّ الْوَاوَ مِنْهُ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ ، أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ قِرَاءَاتٌ مَعْرُوفَاتٌ ، مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي ، فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .
وَقَوْلُهُ : وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا يَقُولُ : وَمَكَرُوا مَكْرًا عَظِيمًا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : كُبَّارًا قَالَ : عَظِيمًا .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا كَثِيرًا ، كَهَيْئَةِ قَوْلِهِ : لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا وَالْكُبَّارُ هُوَ [23/639]الْكَبِيرُ ، كَمَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : أَمْرٌ عَجِيبٌ وَعُجَابٌ بِالتَّخْفِيفِ ، وَعُجَّابٌ بِالتَّشْدِيدِ; وَرَجُلٌ حُسَانٌ وَحَسَّانٌ ، وَجُمَالٌ وَجَمَّالٌ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ ، وَكَذَلِكَ كَبِيرٌ وَكُبَّارٌ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ .