تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ القلم

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ "

ج 23
ص 540

الآية المفسَّرة

أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 23 · ص 540

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ( 14 ) ) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ( 15 ) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ( 16 )
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( أَنْ كَانَ ) فَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ وَحَمْزَةُ : ( أَأَنْ كَانَ ذَا مَالٍ ) بِالِاسْتِفْهَامِ بِهَمْزَتَيْنِ ، وَتَتَوَجَّهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلَى وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ تَقْرِيعُ هَذَا الْحَلَّافِ الْمَهِينِ ، فَقِيلَ : أَلِأَنْ كَانَ هَذَا الْحَلَّافُ الْمَهِينُ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ وَهَذَا أَظْهَرُ وَجْهَيْهِ .
وَالْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ : أَلِأَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ تُطِيعُهُ ، عَلَى وَجْهِ التَّوْبِيخِ لِمَنْ أَطَاعَهُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْدُ سَائِرُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ (مكان)وَالْكُوفَةِ (مكان)وَالْبَصْرَةِ (مكان): أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ [23/541]بِغَيْرِ اسْتِفْهَامٍ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَمَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ : وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ كَأَنَّهُ نَهَاهُ أَنْ يُطِيعَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ ذُو مَالٍ وَبَنِينَ .
وَقَوْلُهُ : إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ يَقُولُ : إِذَا تُقْرَأُ عَلَيْهِ آيَاتُ كِتَابِنَا ، قَالَ : هَذَا مِمَّا كَتَبَهُ الْأَوَّلُونَ اسْتِهْزَاءً بِهِ وَإِنْكَارًا مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
وَقَوْلُهُ : سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : سَنَخْطِمُهُ بِالسَّيْفِ ، فَنَجْعَلُ ذَلِكَ عَلَامَةً بَاقِيَةً وَسِمَةً ثَابِتَةً فِيهِ مَا عَاشَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ فَقَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَخُطِمَ بِالسَّيْفِ فِي الْقِتَالِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : سَنَشِينُهُ شَيْنًا بَاقِيًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ شَيْنٌ لَا يُفَارِقُهُ آخِرَ مَا عَلَيْهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : سِيمَى عَلَى أَنْفِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ قَالَ : سَنَسِمُ عَلَى أَنْفِهِ .
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : سَنُبَيِّنُ أَمْرَهُ بَيَانًا وَاضِحًا حَتَّى يَعْرِفُوهُ ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ ، كَمَا لَا تَخْفَى السِّمَةُ عَلَى الْخُرْطُومِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : مَعْنَى ذَلِكَ : شَيْنٌ لَا يُفَارِقُهُ آخِرَ مَا عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ خُطِمَ بِالسَّيْفِ ، فَجُمِعَ لَهُ مَعَ بَيَانِ عُيُوبِهِ لِلنَّاسِ الْخَطْمُ بِالسَّيْفِ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : سَنَسِمُهُ سَنَكْوِيهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : سَنَسِمُهُ سِمَةَ أَهْلِ النَّارِ : أَيْ سَنُسَوِّدُ وَجْهَهُ .
وَقَالَ : إِنَّ الْخُرْطُومَ وَإِنْ كَانَ خُصَّ بِالسِّمَةِ ، فَإِنَّهُ فِي مَذْهَبِ الْوَجْهِ; لِأَنَّ بَعْضَ الْوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : وَاللَّهِ لَأَسِمَنَّكَ وَسْمًا [23/542]لَا يُفَارِقُكَ ، يُرِيدُونَ الْأَنْفَ . قَالَ : وَأَنْشَدَنِي بَعْضُهُمْ :
لَأُعَلِّطَنَّهُ وَسْمًا لَا يُفَارِقُهُ كَمَا يُحَزُّ بِحَمْيِ الْمِيسَمِ النَّجِرُ
وَالنَّجِرُ : دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فَتُكْوَى عَلَى أَنْفِهَا .