تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ النَّجْمِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىَ "

ج 22
ص 497

الآية المفسَّرة

وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 22 · ص 497

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ( 4 ) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ( 6 ) وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ( 7 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَا يَنْطِقُ مُحَمَّدٌ (نبي)بِهَذَا الْقُرْآنِ عَنْ هَوَاهُ إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى [22/498]يَقُولُ : مَا هَذَا الْقُرْآنُ إِلَّا وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ يُوحِيهِ إِلَيْهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى : أَيْ مَا يَنْطِقُ عَنْ هَوَاهُ إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى قَالَ : يُوحِي اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى جِبْرَائِيلَ ، وَيُوحِي جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقِيلَ : عَنَى بِقَوْلِهِ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى بِالْهَوَى .
وَقَوْلُهُ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : عَلَّمَ مُحَمَّدًا (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْقُرْآنَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَعَنَى بِقَوْلِهِ شَدِيدُ الْقُوَى شَدِيدُ الْأَسْبَابِ . وَالْقُوَى : جَمْعُ قُوَّةٍ . كَمَا الْجُثَى : جَمَعَ جُثْوَةٍ ، وَالْحُبَى : جَمْعُ حَبْوَةٍ . وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ : الْقِوَى : بِكَسْرِ الْقَافِ ، كَمَا تُجْمَعُ الرُّشْوَةُ رِشًا بِكَسْرِ الرَّاءِ ، وَالْحُبْوَةُ حِبًا . وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ : رُشْوَةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ ، وَرِشْوَةٌ بِكَسْرِهَا ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَمْعُ مَنْ جَمَعَ ذَلِكَ رِشًا بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ : وَاحِدُهَا رِشْوَةٌ ، وَأَنْ يَكُونَ جَمْعُ مَنْ جَمَعَ ذَلِكَ بِضَمِّ الرَّاءِ ، مِنْ لُغَةِ مَنْ ضَمَّ الرَّاءَ فِي وَاحِدِهَا وَإِنْ جَمَعَ بِالْكَسْرِ مَنْ كَانَ لُغَتُهُ مِنَ الضَّمِّ فِي الْوَاحِدَةِ ، أَوْ بِالضَّمِّ مَنْ كَانَ مِنْ لُغَتِهِ الْكَسْرُ ; فَإِنَّمَا هُوَ حَمْلُ إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى يَعْنِي جِبْرِيلَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى قَالَ : جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، مِثْلَهُ . [22/499]
وَقَوْلُهُ : ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ذُو مِرَّةٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : ذُو خَلْقٍ حَسَنٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ذُو مِرَّةٍ قَالَ : ذُو مَنْظَرٍ حَسَنٍ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى : ذُو خَلْقٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : ذُو قُوَّةٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنِي الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى قَالَ : ذُو قُوَّةٍ جِبْرِيلُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ عَنْ سُفْيَانَ ذُو مِرَّةٍ قَالَ : ذُو قُوَّةٍ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى قَالَ : ذُو قُوَّةٍ ، الْمِرَّةُ : الْقُوَّةُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنِ الرَّبِيعِ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى بِالْمِرَّةِ : صِحَّةَ الْجِسْمِ وَسَلَامَتَهُ مِنَ الْآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ . وَالْجِسْمُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ مِنَ الْإِنْسَانِ ، كَانَ قَوِيًّا ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ الْمِرَّةَ وَاحِدَةُ الْمِرَرِ ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ : ذُو مِرَّةٍ سَوِيَّةٍ . وَإِذَا كَانَتِ الْمِرَّةُ صَحِيحَةً ، كَانَ الْإِنْسَانُ صَحِيحًا . وَمِنْهُ [22/500]قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ " .
وَقَوْلُهُ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى يَقُولُ : فَاسْتَوَى هَذَا الشَّدِيدُ الْقَوِيُّ وَصَاحِبُكُمْ مُحَمَّدٌ (نبي)بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ، وَذَلِكَ لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَوَى هُوَ وَجِبْرِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِمَطْلَعِ الشَّمْسِ الْأَعْلَى ، وَهُوَ الْأُفُقُ الْأَعْلَى ، وَعَطَفَ بِقَوْلِهِ : " وَهُوَ " عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ : " فَاسْتَوَىَ " مِنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالْأَكْثَرُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا أَرَادُوا الْعَطْفَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يُظْهِرُوا كِنَايَةَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، فَيَقُولُوا : اسْتَوَى هُوَ وَفُلَانٌ ، وَقَلَّمَا يَقُولُونَ اسْتَوَى وَفُلَانٌ ، وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهُ أَنْشَدَهُ :
أَلَمْ تَرَ أَنَّ النَّبْعَ يَصْلُبُ عُودَهُ وَلَا يَسْتَوِي وَالْخِرْوَعُ الْمُتَقَصِّفُ
فَرَدَّ الْخِرْوَعَ عَلَىَ مَا فِي يَسْتَوِي مِنْ ذِكْرِ النَّبْعِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا فَعَطَفَ بِالْآبَاءِ عَلَى الْمُكَنَّى فِي ( كُنَّا ) مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ " نَحْنُ " ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فَاسْتَوَى وَهُوَ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمُسْتَوِيَ : هُوَ جِبْرِيلُ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَا مَؤُنَةَ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ ( وَهُوَ ) مِنْ ذِكْرِ اسْمِ جِبْرِيلَ ، وَكَأَنَّ قَائِلُ ذَلِكَ وَجَّهَ مَعْنَى قَوْلِهِ ( فَاسْتَوَى ) : أَيِ ارْتَفَعَ وَاعْتَدَلَ . [22/501]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى وَالْأُفُقُ : الَّذِي يَأْتِي مِنْهُ النَّهَارُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى قَالَ : بِأُفُقِ الْمَشْرِقِ الْأَعْلَى بَيْنَهُمَا .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى يَعْنِي جِبْرِيلُ .
قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى قَالَ : السَّمَاءُ الْأَعْلَى ، يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ .