تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الذَّارِيَاتِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "

ج 22
ص 439

الآية المفسَّرة

وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 22 · ص 439

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 49 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَخَلَقْنَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ، وَتَرَكَ ( خَلَقْنَا ) الْأَوْلَى اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا .
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِهِ : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَالشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ قَالَ : الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ ، وَالشَّقَاوَةُ وَالسَّعَادَةُ ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةُ ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَالسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ قَالَ : ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الفَزَارِيُّ قَالَ : ثَنَا عَوْفٌ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ قَالَ : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِالزَّوْجَيْنِ : الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [22/440]
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ قَالَ : ذَكَرًا وَأُنْثَى ، ذَاكَ الزَّوْجَانِ ، وَقَرَأَ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ . قَالَ : امْرَأَتَهُ .
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، خَلَقَ لِكُلِّ مَا خَلَقَ مِنْ خَلْقِهِ ثَانِيًا لَهُ مُخَالِفًا فِي مَعْنَاهُ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ لِلْآخَرِ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ : خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ . وَإِنَّمَا نَبَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقِ مَا يَشَاءُ خَلْقَهُ مِنْ شَيْءٍ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَالْأَشْيَاءِ الَّتِي شَأْنُهَا فِعْلُ نَوْعٍ وَاحِدٍ دُونَ خِلَافِهِ ، إِذْ كُلُّ مَا صِفَتُهُ فِعْلُ نَوْعٍ وَاحِدٍ دُونَ مَا عَدَاهُ كَالنَّارِ الَّتِي شَأْنُهَا التَّسْخِينُ ، وَلَا تَصْلُحُ لِلتَّبْرِيدِ ، وَكَالثَّلْجِ الَّذِي شَأْنُهُ التَّبْرِيدُ ، وَلَا يَصْلُحُ لِلتَّسْخِينِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِالْكَمَالِ ، وَإِنَّمَا كَمَالُ الْمَدْحِ لِلْقَادِرِ عَلَى فِعْلِ كُلِّ مَا شَاءَ فِعْلَهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَّفِقَةِ .
وَقَوْلُهُ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يَقُولُ : لِتَذَكَّرُوا وَتَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ، فَتَعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ أَنَّ رَبَّكُمُ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ عَلَيْكُمُ الْعِبَادَةَ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ الشَّيْءِ وَخِلَافِهِ ، وَابْتِدَاعِ زَوْجَيْنِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ .