تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الذَّارِيَاتِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ "

ج 22
ص 436

الآية المفسَّرة

فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 22 · ص 436

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ ( 45 ) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ( 46 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ دِفَاعٍ لِمَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، وَلَا قَدَرُوا عَلَى نُهُوضٍ بِهِ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ يَقُولُ : مَا اسْتَطَاعَ الْقَوْمُ نُهُوضًا لِعُقُوبَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . [22/437]
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ قَالَ : مِنْ نُهُوضٍ .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ : مَعْنَى قَوْلِهِ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ : فَمَا قَامُوا بِهَا ، قَالَ : لَوْ كَانَتْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ إِقَامَةٍ ، لَكَانَ صَوَابًا ، وَطَرَحَ الْأَلِفَ مِنْهَا كَقَوْلِهِ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا .
وَقَوْلُهُ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ يَقُولُ : وَمَا كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى أَنْ يَسْتَقِيدُوا مِمَّنْ أَحِلَّ بِهِمُ الْعُقُوبَةَ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ .
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ : مَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ قَالَ : مَا كَانَتْ عِنْدَهُمْ مِنْ قُوَّةٍ يَمْتَنِعُونَ بِهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وَقَوْلُهُ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ وَقَوْمَ نُوحٍ نَصْبًا . وَلِنَصْبِ ذَلِكَ وُجُوهٌ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ " الْقَوْمُ " عَطْفًا عَلَى الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي قَوْلِهِ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ إِذْ كَانَ كُلُّ عَذَابٍ مُهْلِكٍ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ صَاعِقَةً ، فَيَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَخَذَتْ قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِمَعْنَى الْكَلَامِ ، إِذْ كَانَ فِيمَا مَضَى مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ قَبْلُ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُرَادِ مِنَ الْكَلَامِ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ : أَهْلَكْنَا هَذِهِ الْأُمَمَ ، وَأَهْلَكْنَا قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يُضْمَرَ لَهُ فِعْلًا نَاصِبًا ، فَيَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَاذْكُرْ لَهُمْ قَوْمَ نُوحٍ ، كَمَا قَالَ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، بِمَعْنَى أَخْبِرْهُمْ وَاذْكُرْ لَهُمْ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ (مكان) وَقَوْمَ نُوحٍ بِخَفْضِ الْقَوْمِ عَلَى مَعْنَى : وَفِي قَوْمِ نُوحٍ عَطْفًا بِالْقَوْمِ عَلَى مُوسَى (نبي)فِي قَوْلِهِ وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ خَفْضًا وَفِي قَوْمِ نُوحٍ لَهُمْ أَيْضًا عِبْرَةٌ ، إِذْ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ قَبْلِ ثَمُودَ لَمَّا كَذَّبُوا رَسُولَنَا نُوحًا (نبي)[22/438] إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ يَقُولُ : إِنَّهُمْ كَانُوا مُخَالِفِينَ أَمْرَ اللَّهِ ، خَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ .