تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الذَّارِيَاتِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ "

ج 22
ص 418

الآية المفسَّرة

وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 22 · ص 418

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ( 20 ) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ( 22 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَفِي الْأَرْضِ عِبَرٌ وَعِظَاتٌ لِأَهْلِ الْيَقِينِ بِحَقِيقَةِ مَا عَايَنُوا وَرَأَوْا إِذَا سَارُوا فِيهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . [22/419]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ قَالَ : يَقُولُ : مُعْتَبَرٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ إِذَا سَارَ فِي أَرْضِ اللَّهِ رَأَى عِبَرًا وَآيَاتٍ عِظَامًا .
وَقَوْلُهُ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِي سَبِيلِ الْخَلَاءِ وَالْبَوْلِ فِي أَنْفُسِكُمْ عِبْرَةٌ لَكُمْ ، وَدَلِيلٌ لَكُمْ عَلَى رَبِّكُمْ ، أَفَلَا تُبْصِرُونَ إِلَى ذَلِكَ مِنْكُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُرْتَفِعِ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ قَالَ : سَبِيلُ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُرْتَفِعِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ قَالَ : سَبِيلُ الْخَلَاءِ وَالْبَوْلِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِي تَسْوِيَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَفَاصِلِ أَبْدَانِكُمْ وَجَوَارِحِكُمْ دَلَالَةٌ لَكُمْ عَلَى أَنْ خُلِقْتُمْ لِعِبَادَتِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ قَالَ : وَفِينَا آيَاتٌ كَثِيرَةٌ ، هَذَا السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَاللِّسَانُ وَالْقَلْبُ ، لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا هُوَ أَسْوَدُ أَوْ أَحْمَرُ ، وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي يَتَلَجْلَجُ بِهِ ، وَهَذَا الْقَلْبُ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ ؟! ، إِنَّمَا هُوَ مُضْغَةٌ فِي جَوْفِهِ ، [22/420]يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ الْعَقْلَ ، أَفَيَدْرِي أَحَدٌ مَا ذَاكَ الْعَقْلُ ؟ وَمَا صِفَتُهُ ؟ وَكَيْفَ هُوَ ؟ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَيْضًا أَيُّهَا النَّاسُ آيَاتٌ وَعِبَرٌ تَدُلُّكُمْ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ صَانِعِكُمْ ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ لَكُمْ سِوَاهُ ، إِذْ كَانَ لَا شَيْءَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَ خَلْقِهِ إِيَّاكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ يَقُولُ : أَفَلَا تَنْظُرُونَ فِي ذَلِكَ فَتَتَفَكَّرُوا فِيهِ ، فَتَعْلَمُوا حَقِيقَةَ وَحْدَانِيَّةِ خَالِقِكُمْ .
وَقَوْلُهُ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَفِي السَّمَاءِ : الْمَطَرُ وَالثَّلْجُ اللَّذَانِ بِهِمَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ رِزْقَكُمْ ، وَقُوتَكُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَالثِّمَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ : ثَنَا النَّضْرُ قَالَ : ثَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ قَالَ : الْمَطَرُ .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ قَالَ : الثَّلْجُ ، وَكُلُّ عَيْنٍ ذَائِبَةٍ مِنَ الثَّلْجِ لَا تَنْقُصُ .
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : فِي السَّحَابِ فِيهِ - وَاللَّهِ - رِزْقُكُمْ ، وَلَكِنَّكُمْ تُحْرَمُونَهُ بِخَطَايَاكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ .
قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : أَحْسَبُهُ أَوْ غَيْرَهُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا - وَمُطِرُوا - ، يَقُولُ : وَمُطِرْنَا بِبَعْضِ عَثَانِينِ الْأَسَدِ ، فَقَالَ كَذَبْتَ ، بَلْ هُوَ رِزْقُ اللَّهِ " .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ قَالَ : رِزْقُكُمُ [22/421]الْمَطَرُ .
قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ قَالَ : رَزَقَكُمُ الْمَطَرُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ ، وَمِمَّنْ تَأَوَّلَهُ كَذَلِكَ وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا هَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ : قَرَأَ وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ هَذِهِ الْآيَةَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَقَالَ : أَلَا إِنَّ رِزْقِي فِي السَّمَاءِ وَأَنَا أَطْلُبُهُ فِي الْأَرْضِ ، فَدَخَلَ خَرِبَةً فَمَكَثَ ثَلَاثًا لَا يُصِيبُ شَيْئًا ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ إِذَا هُوَ بِدَوْخَلَّةِ رُطَبٍ ، وَكَانَ لَهُ أَخٌ أَحْسَنُ نِيَّةً مِنْهُ ، فَدَخَلَ مَعَهُ ، فَصَارَتَا دَوْخَلَّتَيْنِ ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُمَا حَتَّى فَرَّقَ الْمَوْتُ بَيْنَهُمَا .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَا تُوعَدُونَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا تُوعَدُونَ مِنْ خَيْرٍ ، أَوْ شَرٍّ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَمَا تُوعَدُونَ قَالَ : وَمَا تُوعَدُونَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ .
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ يَقُولُ : الْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ ، وَمَا تُوعَدُونَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا تُوعَدُونَ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَزِيعٍ قَالَ : ثَنَا النَّضْرُ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ وَمَا تُوعَدُونَ قَالَ : الْجَنَّةُ وَالنَّارُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَمَا تُوعَدُونَ مِنَ الْجَنَّةِ . [22/422]
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَمَّ الْخَبَرَ بِقَوْلِهِ وَمَا تُوعَدُونَ عَنْ كُلِّ مَا وَعَدَنَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، وَلَمْ يُخَصِّصْ بِذَلِكَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ ، فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ كَمَا عَمَّهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ .