تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْفَتْحِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا "

ج 22
ص 195

الآية المفسَّرة

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 22 · ص 195

النص

[22/195][22/196][22/197]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ( 1 ) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ( 2 ) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ( 3 )
يَعْنِي بِقَوْلِهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا يَقُولُ : إِنَّا حَكَمْنَا لَكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)حُكْمًا لِمَنْ سَمِعَهُ أَوْ بَلَغَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ وَنَاصَبَكَ مِنْ كُفَّارِ قَوْمِكَ ، وَقَضَيْنَا لَكَ عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ ، لِتَشْكُرَ رَبَّكَ ، وَتَحْمَدَهُ عَلَى نِعْمَتِهِ بِقَضَائِهِ لَكَ عَلَيْهِمْ ، وَفَتْحِهِ مَا فَتَحَ لَكَ ، وَلِتُسَبِّحَهُ وَتَسْتَغْفِرَهُ ، فَيَغْفِرَ لَكَ بِفِعَالِكَ ذَلِكَ رَبُّكَ ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ قَبْلَ فَتْحِهِ لَكَ مَا فَتَحَ ، وَمَا تَأَخَّرَ بَعْدَ فَتْحِهِ لَكَ ذَلِكَ مَا شَكَرْتَهُ وَاسْتَغْفَرْتَهُ .
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا الْقَوْلَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ لِدَلَالَةِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا عَلَى صِحَّتِهِ ، إِذْ أَمَرَهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنْ يُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّهِ إِذَا جَاءَهُ نَصْرُ اللَّهِ وَفَتَحَ مَكَّةَ (مكان)، وَأَنْ يَسْتَغْفِرَهُ ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ تَوَّابٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ جَزَائِهِ لَهُ عَلَى شُكْرِهِ لَهُ ، عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ مِنْ إِظْهَارِهِ لَهُ مَا فَتَحَ ؛ لِأَنَّ جَزَاءَ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ دُونَ غَيْرِهَا . [22/198]
وَبَعْدُ فَفِي صِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ ، فَقِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ فَقَالَ : أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ؟ " الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ الَّذِي قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ ، وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، إِنَّمَا وَعَدَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُفْرَانَ ذُنُوبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، فَتَحَ مَا فَتَحَ عَلَيْهِ ، وَبَعْدَهُ عَلَى شُكْرِهِ لَهُ ، عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ .
وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنِّي لِأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ " وَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ أَنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا ، لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِهِ إِيَّاهُ بِالِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَلَا لِاسْتِغْفَارِ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بَعْدَهَا مَعْنًى يُعْقَلُ ، إِذِ الِاسْتِغْفَارُ مَعْنَاهُ : طَلَبُ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - غُفْرَانَ ذُنُوبِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذُنُوبٌ تُغْفَرُ لَمْ يَكُنْ لِمَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ غُفْرَانَهَا مَعْنًى ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يُقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبًا لَمْ أَعْمَلْهُ .
وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِمَعْنَى : لِيَغْفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ قَبْلَ الرِّسَالَةِ ، وَمَا تَأَخَّرَ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ . وَأَمَّا الْفَتْحُ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْعِدَةَ عَلَى شُكْرِهِ إِيَّاهُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ فِيمَا ذُكِرَ الْهُدْنَةُ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ بِالْحُدَيْبِيَةَ (مكان).
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْصَرَفَهُ عَنِ الْحُدَيْبِيَةِ (مكان)بَعْدَ الْهُدْنَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قَالَ : قَضَيْنَا لَكَ قَضَاءً مُبِينًا . [22/199]
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا وَالْفَتْحُ : الْقَضَاءُ .
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ قَالَ : هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرْتُ .
حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : ثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قَالَ : الْحُدَيْبِيَةُ (مكان).
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قَالَ : نَحْرُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ (مكان)وَحَلْقُهُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ : ثَنَا أَبُو بَحْرٍ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : ثَنَا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ " لَمَّا أَقْبَلْنَا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ (مكان)أَعَرَسْنَا فَنِمْنَا ، فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ إِلَّا بِالشَّمْسِ قَدْ طَلَعَتْ ، فَاسْتَيْقَظْنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَائِمٌ ، قَالَ : فَقُلْنَا أَيْقِظُوهُ ، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : افْعَلُوا كَمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ ، فَكَذَلِكَ مَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ قَالَ : وَفَقَدْنَا نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدْنَاهَا قَدْ تَعَلَّقَ خِطَامُهَا بِشَجَرَةٍ ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا ، فَرَكِبَ فَبَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ ، إِذْ أَتَاهُ الْوَحْيُ ، قَالَ : وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ; فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ أُنِزِلَ عَلَيْهِ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا " .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : " لَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ (مكان)، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ نُسِكِنَا ، قَالَ : فَنَحْنُ بَيْنَ الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ ، قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ، أَوْ كَمَا شَاءَ اللَّهُ ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا " . [22/200]
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قَالَ : نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ (مكان)، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نُسِكِهِمْ ، فَنَحَرَ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ (مكان)، وَأَصْحَابُهُ مُخَالِطُو الْكَآبَةِ وَالْحُزْنِ ، فَقَالَ : لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا ، فَقَرَأَ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ . . . إِلَى قَوْلِهِ ( عَزِيزًا ) فَقَالَ أَصْحَابُهُ هَنِيئًا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَنَا مَاذَا يَفْعَلُ بِكَ ، فَمَاذَا يَفْعَلُ بِنَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ بَعْدَهَا لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا . . . إِلَى قَوْلِهِ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا .
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : ثَنَا هَمَّامُ قَالَ : ثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ : " فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : هَنِيئًا لَكَ مَرِيئًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَقَالَ أَيْضًا : فَبَيَّنَ اللَّهُ مَاذَا يَفْعَلُ بِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَمَاذَا يَفْعَلُ بِهِمْ " .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : " وَنَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ (مكان)، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ قَرَأَهَا عَلَيْهِمْ ، فَقَالُوا : هَنِيئًا مَرِيئًا يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لَكَ مَاذَا يَفْعَلُ بِكَ ، فَمَاذَا يَفْعَلُ بِنَا ؟ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ . . . إِلَى قَوْلِهِ فَوْزًا عَظِيمًا " .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ وَابْنُ الْمُثَنَّى قَالَا ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [22/201] إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا قَالُوا : هَنِيئًا مَرِيئًا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَاذَا لَنَا ؟ فَنَزَلَتْ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قَالَ : الْحُدَيْبِيَةُ . (مكان)
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : مَا كُنَّا نَعُدُّ فَتْحَ مَكَّةَ (مكان)إِلَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ (مكان).
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سِيَاهٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : تَكَلَّمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صَفِّينَ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ ، لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ (مكان)، يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا ، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ ؟ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ ؟ قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا ، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ؟ فَقَالَ : يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَنْ يُضَيَّعَنِي أَبَدًا " قَالَ : فَرَجَعَ وَهُوَ مُتَغَيِّظٌ ، فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى أَتَى أَبَا بَكْرٍ ، فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ ؟ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ ، وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ ؟ قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا ، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ؟ فَقَالَ : يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، لَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا ، قَالَ : فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عُمَرَ ، فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَفَتْحٌ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ " .
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، [22/202]عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : مَا كُنَّا نَعُدُّ الْفَتْحَ إِلَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ (مكان).
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ : تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ (مكان)، وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ (مكان)فَتْحًا ، وَنَحْنُ نَعُدُّ الْفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ (مكان)، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً ، وَالْحُدَيْبِيَةُ (مكان): بِئْرٌ .
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ : ثَنَا مُجَمِّعُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَمِّهِ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، وَكَانَ أَحَدَ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ ، قَالَ : " شَهِدْنَا الْحُدَيْبِيَةَ (مكان)مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا انْصَرَفْنَا عَنْهَا ، إِذَا النَّاسُ يَهُزُّونَ الْأَبَاعِرَ ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ : مَا لِلنَّاسِ ، قَالُوا : أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ فَقَالَ رَجُلٌ : أَوَفَتْحٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَالَذِّي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفَتْحٌ ، قَالَ : فَقُسِّمَتْ خَيْبَرُ (مكان)عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ (مكان)، لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ (مكان)، وَكَانَ الْجَيْشُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ ، فِيهِمْ ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ ، فَقَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، فَأَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ ، وَأَعْطَى الرَّاجِلَ سَهْمًا " .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : " نَزَلَتْ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا بِالْحُدَيْبِيَةِ (مكان)، وَأَصَابَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ مَا لَمْ يُصِبْهُ فِي غَزْوَةٍ ، أَصَابَ أَنْ بُويِعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ ، وَغُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ ، وَبَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ، وَأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ (مكان)، وَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِظُهُورِ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ " .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بِإِظْهَارِهِ إِيَّاكَ عَلَى عَدُوِّكَ ، وَرَفْعِهِ ذِكْرَكَ فِي الدُّنْيَا ، وَغُفْرَانِهِ ذُنُوبَكَ فِي الْآخِرَةِ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا يَقُولُ : وَيُرْشِدُكَ [22/203]طَرِيقًا مِنَ الدِّينِ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ ، يَسْتَقِيمُ بِكَ إِلَى رِضَا رَبِّكَ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا يَقُولُ : وَيَنْصُرُكَ عَلَى سَائِرِ أَعْدَائِكَ ، وَمَنْ نَاوَأَكَ نَصْرًا لَا يَغْلِبُهُ غَالِبٌ ، وَلَا يَدْفَعُهُ دَافِعٌ ، لِلْبَأْسِ الَّذِي يُؤَيِّدُكَ اللَّهُ بِهِ ، وَبِالظَّفَرِ الَّذِي يَمُدُّكَ بِهِ .