تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ مُحَمَّدٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا "

ج 22
ص 178

الآية المفسَّرة

أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 22 · ص 178

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ( 24 ) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ( 25 ) [22/179]
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَفَلَا يَتَدَبَّرُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مَوَاعِظَ اللَّهِ الَّتِي يَعِظُهُمْ بِهَا فِي آيِ الْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي حُجَجِهِ الَّتِي بَيَّنَهَا لَهُمْ فِي تَنْزِيلِهِ فَيَعْلَمُوا بِهَا خَطَأَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا يَقُولُ : أَمْ أَقْفَلَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يَعْقِلُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْعِبَرِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا إِذًا وَاللَّهِ يَجِدُونَ فِي الْقُرْآنِ زَاجِرًا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، لَوْ تَدَبَّرَهُ الْقَوْمُ فَعَقَلُوهُ ، وَلَكِنَّهُمْ أَخَذُوا بِالْمُتَشَابِهِ فَهَلَكُوا عِنْدَ ذَلِكَ .
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَفْصٍ الْأَيْلِيُّ قَالَ : ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ : مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا وَلَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ : عَيْنَانِ فِي رَأْسِهِ لِدُنْيَاهُ ، وَمَا يُصْلِحُهُ مِنْ مَعِيشَتِهِ ، وَعَيْنَانِ فِي قَلْبِهِ لِدِينِهِ ، وَمَا وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الْغَيْبِ ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أَبْصَرَتْ عَيْنَاهُ اللَّتَانِ فِي قَلْبِهِ ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ طَمَسَ عَلَيْهِمَا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : ثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : ثَنَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ قَالَ : مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ إِلَّا وَلَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ ، عَيْنَانِ فِي وَجْهِهِ لِمَعِيشَتِهِ ، وَعَيْنَانِ فِي قَلْبِهِ ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ شَيْطَانٌ مُتَبَطِّنٌ فِقَارَ ظَهْرِهِ ، عَاطِفٌ عُنُقَهُ عَلَى عُنُقِهِ ، فَاغِرٌ فَاهُ إِلَى ثَمَرَةِ قَلْبِهِ ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أَبْصَرَتْ عَيْنَاهُ اللَّتَانِ فِي قَلْبِهِ مَا وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الْغَيْبِ ، فَعَمِلَ بِهِ ، وَهُمَا غَيْبٌ ، [22/180]فَعَمِلَ بِالْغَيْبِ ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا تَرَكَهُ ، ثُمَّ قَرَأَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا الْحَكَمُ قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، عَنْ ثَوْرٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ بِنَحْوِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : تَرْكُ الْقَلْبِ عَلَى مَا فِيهِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ قَالَ : ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ : ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : " تَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا فَقَالَ شَابٌّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ (مكان): بَلْ عَلَيْهَا أَقْفَالُهَا حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - يَفْتَحُهَا أَوْ يُفَرِّجُهَا ، فَمَا زَالَ الشَّابُّ فِي نَفْسِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى وَلِيَ فَاسْتَعَانَ بِهِ " .
وَقَوْلُهُ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - إِنَّ الَّذِينَ رَجَعُوا الْقَهْقَرَى عَلَى أَعْقَابِهِمْ كُفَّارًا بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ وَقَصْدُ السَّبِيلِ ، فَعَرَفُوا وَاضِحَ الْحُجَّةِ ، ثُمَّ آثَرُوا الضَّلَالَ عَلَى الْهُدَى عِنَادًا لِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مِنْ بَعْدِ الْعِلْمِ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى هُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَهْلُ الْكِتَابِ ، يَعْرِفُونَ بَعْثَ مُحَمَّدٍ (نبي)نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُمْ ، ثُمَّ يَكْفُرُونَ بِهِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى إِنَّهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ النِّفَاقِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حُدِّثَتْ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ . . . إِلَى قَوْلِهِ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ هُمْ أَهْلُ النِّفَاقِ . [22/181]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ . . . إِلَى ( إِسْرَارَهُمْ ) هُمْ أَهْلُ النِّفَاقِ . وَهَذِهِ الصِّفَةُ بِصِفَةِ أَهْلِ النِّفَاقِ عِنْدَنَا أَشْبَهُ مِنْهَا بِصِفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَخْبَرَ أَنَّ رِدَّتَهُمْ كَانَتْ بِقِيلِهِمْ لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَـزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ صِفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، لَكَانَ فِي وَصْفِهِمْ بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكِفَايَةُ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا ارْتَدُّوا مِنْ أَجْلِ قِيلِهِمْ مَا قَالُوا .
وَقَوْلُهُ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : الشَّيْطَانُ زَيَّنَ لَهُمُ ارْتِدَادَهُمْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ ، مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ يَقُولُ : زَيَّنَّ لَهُمْ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ سَوَّلَ لَهُمْ يَقُولُ : زَيَّنَ لَهُمْ .
وَقَوْلُهُ وَأَمْلَى لَهُمْ يَقُولُ : وَمَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فِي آجَالِهِمْ مُلَاوَةً مِنَ الدَّهْرِ ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ : الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ ، وَاللَّهُ أَمْلَى لَهُمْ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ (مكان)وَالْكُوفَةِ (مكان) وَأَمْلَى لَهُمْ بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْهَا بِمَعْنَى : وَأَمْلَى اللَّهُ لَهُمْ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (مكان)وَالْبَصْرَةِ (مكان)( وَأُمْلِيَ لَهُمْ ) عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ . وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ ( وَأُمْلِي ) بِضَمِّ الْأَلِفِ وَإِرْسَالِ الْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ .
وَأَوْلَى هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ بِالصَّوَابِ ، الَّتِي عَلَيْهَا عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ (مكان)وَالْكُوفَةِ (مكان)مِنْ [22/182]فَتْحِ الْأَلِفَ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ ، وَإِنْ كَانَ يَجْمَعُهَا مَذْهَبٌ تَتَقَارَبُ مَعَانِيهَا فِيهِ .