تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ مُحَمَّدٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ "

ج 22
ص 177

الآية المفسَّرة

فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 22 · ص 177

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ( 22 ) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ( 23 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ أَنَّهُمْ إِذَا نَزَلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ ، وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ نَظَرُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ فَهَلْ عَسَيْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ ، يَقُولُ : فَلَعَلَّكُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ تَنْزِيلِ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - وَفَارَقْتُمْ أَحْكَامَ كِتَابِهِ ، وَأَدْبَرْتُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَمَّا جَاءَكُمْ بِهِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ يَقُولُ : أَنْ تَعْصُوا اللَّهَ فِي الْأَرْضِ ، فَتَكْفُرُوا بِهِ ، وَتَسْفِكُوا فِيهَا الدِّمَاءَ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ وَتَعُودُوا لِمَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ مِنَ التَّشَتُّتِ وَالتَّفَرُّقِ بَعْدَ مَا قَدْ جَمَعَكُمُ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ ، وَأَلَّفَ بِهِ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ . . . الْآيَةَ . يَقُولُ : فَهَلْ عَسَيْتُمْ كَيْفَ رَأَيْتُمُ الْقَوْمَ حِينَ تَوَلَّوْا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ ، أَلَمْ يَسْفِكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ ، وَقَطَّعُوا الْأَرْحَامَ ، وَعَصَوُا الرَّحْمَنَ . [22/178]
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ قَالَ : فَعَلُوا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَا ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي الْمُزَرَّدِ الْمَدِينِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ تَعَلَّقَتِ الرَّحِمُ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ مَهْ : فَقَالَتْ : هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ ، قَالَ : أَفَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ ، وَأَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : فَذَلِكَ لَكِ " .
قَالَ سُلَيْمَانُ فِي حَدِيثِهِ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أُمُورَ النَّاسِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِمَعْنَى الْوِلَايَةِ ، وَأَجْمَعَتِ الْقُرَّاءُ غَيْرَ نَافِعٍ عَلَى فَتْحِ السِّينِ مَنْ عَسَيْتُمْ ، وَكَانَ نَافِعٌ يَكْسِرُهَا عَسِيتُمْ .
وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا قِرَاءَةُ ذَلِكَ بِفَتْحِ السِّينِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا ، وَأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فِي الْكَلَامِ : عَسِيَ أَخُوكَ يَقُومُ ، بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِ الْيَاءِ; وَلَوْ كَانَ صَوَابًا كَسْرُهَا إِذَا اتَّصَلَ بِهَا مُكَنَّى ، جَاءَتْ بِالْكَسْرِ مَعَ غَيْرِ الْمُكَنَّى ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى فَتْحِهَا مَعَ الِاسْمِ الظَّاهِرِ ، الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّهَا كَذَلِكَ مَعَ الْمُكَنَّى ، " وَإِنْ " الَّتِي تَلِي عَسَيْتُمْ مَكْسُورَةٌ ، وَهِيَ حَرْفُ جَزَاءٍ ، وَ " أَنْ " الَّتِي مَعَ تُفْسِدُوا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِعَسَيْتُمْ .
وَقَوْلُهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ هَذَا ، يَعْنِي الَّذِينَ يُفْسِدُونَ وَيُقَطِّعُونَ الْأَرْحَامَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ، فَأَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ فَأَصَمَّهُمْ ، يَقُولُ : فَسَلَبَهُمْ فَهْمَ مَا يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ مِنْ مَوَاعِظِ اللَّهِ فِي تَنْزِيلِهِ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ يَقُولُ : وَسَلَبَهُمْ عُقُولَهُمْ ، فَلَا يَتَبَيَّنُونَ حُجَجَ اللَّهِ ، وَلَا يَتَذَكَّرُونَ مَا يَرَوْنَ مِنْ عِبَرِهِ وَأَدِلَّتِهِ .