تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْجَاثِيَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ "

ج 22
ص 70

الآية المفسَّرة

ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 22 · ص 70

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 18 ) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ( 19 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثُمَّ جَعَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)مِنْ بَعْدِ الَّذِي آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ صِفَتَهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ يَقُولُ : عَلَى طَرِيقَةٍ وَسُنَّةٍ وَمِنْهَاجٍ مِنْ أَمْرِنَا الَّذِي أَمَرْنَا بِهِ مَنْ قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ( فَاتَّبِعْهَا ) يَقُولُ : فَاتَّبِعْ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ الَّتِي جَعَلْنَاهَا لَكَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ يَقُولُ : وَلَا تَتَّبِعْ مَا دَعَاكَ إِلَيْهِ الْجَاهِلُونَ بِاللَّهِ ، الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ ، فَتَعْمَلَ بِهِ ، فَتَهْلَكَ إِنْ عَمِلْتَ بِهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا قَالَ : يَقُولُ عَلَى هُدًى مِنَ الْأَمْرِ وَبَيِّنَةٍ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَالشَّرِيعَةُ : الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ [22/71] ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ قَالَ : الشَّرِيعَةُ : الدِّينُ . وَقَرَأَ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قَالَ : فَنُوحٌ (نبي)أَوَّلُهُمْ وَأَنْتَ آخِرُهُمْ .
وَقَوْلُهُ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلِينَ بِرَبِّهِمُ ، الَّذِينَ يَدْعُونَكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)إِلَى اتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ ، لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ إِنْ أَنْتَ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ، وَخَالَفْتَ شَرِيعَةَ رَبِّكَ الَّتِي شَرَعَهَا لَكَ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ شَيْئًا ، فَيَدْفَعُوهُ عَنْكَ إِنْ هُوَ عَاقَبَكَ ، وَيُنْقِذُوكَ مِنْهُ .
وَقَوْلُهُ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَقُولُ : وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَنْصَارُ بَعْضٍ ، وَأَعْوَانُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَأَهْلُ طَاعَتِهِ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَاللَّهُ يَلِي مَنِ اتَّقَاهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ بِكِفَايَتِهِ ، وَدِفَاعِ مَنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ ، يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَكُنْ مِنَ الْمُتَّقِينَ ، يَكْفِكَ اللَّهُ مَا بَغَاكَ وَكَادَكَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ، فَإِنَّهُ وَلِيُّ مَنِ اتَّقَاهُ ، وَلَا يَعْظُمُ عَلَيْكَ خِلَافُ مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ ، لِأَنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوكَ مَا كَانَ اللَّهُ وَلِيَّكَ وَنَاصِرَكَ .