تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الدُّخَانِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ "

ج 22
ص 31

الآية المفسَّرة

كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 22 · ص 31

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ( 27 ) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ( 28 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : كَمْ تَرَكَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مِنَ الْقِبْطِ بَعْدَ مَهْلِكِهِمْ وَتَغْرِيقِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مِنْ بَسَاتِينَ وَأَشْجَارٍ ، وَهِيَ الْجَنَّاتُ ، وَعُيُونٍ ، يَعْنِي : وَمَنَابِعَ مَا كَانَ يَنْفَجِرُ فِي جِنَانِهِمْ ، وَزُرُوعٍ قَائِمَةٍ فِي مَزَارِعِهِمْ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ يَقُولُ : وَمَوْضِعٌ كَانُوا يَقُومُونَهُ شَرِيفٌ كَرِيمٌ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى وَصْفِ اللَّهِ ذَلِكَ الْمَقَامَ بِالْكَرَمِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَصَفَهُ بِذَلِكَ لِشَرَفِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَقَامُ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْمَنَابِرُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي جَعْفَرُ ابْنُ ابْنَةِ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ قَالَ : ثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ ، [22/32]قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ قَالَ : الْمَنَابِرُ .
حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : ثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ قَالَ : الْمَنَابِرُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : وَصَفَ ذَلِكَ الْمَقَامَ بِالْكَرَمِ لِحُسْنِهِ وَبَهْجَتِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ : أَيْ حَسَنٌ .
وَقَوْلُهُ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَأُخْرِجُوا مِنْ نِعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ مُتَفَكِّهِينَ نَاعِمِينَ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ( فَاكِهِينَ ) فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ خَلَا أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ ( فَاكِهِينَ ) عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ . وَقَرَأَهُ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ وَالْحَسَنُ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ ( فَكِهِينَ ) بِمَعْنَى : أَشِرِينَ بَطِرِينَ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ ، الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ ، وَهِيَ ( فَاكِهِينَ ) بِالْأَلِفِ بِمَعْنَى نَاعِمِينَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ : نَاعِمِينَ ، قَالَ : إِي وَاللَّهِ ، أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ جَنَّاتِهِ وَعُيُونِهِ وَزُرُوعِهِ حَتَّى وَرَّطَهُ فِي الْبَحْرِ .
وَقَوْلُهُ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَكَذَا كَمَا وَصَفْتُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ فِعْلَنَا بِهَؤُلَاءِ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكُمْ أَمْرَهُمُ ، الَّذِينَ كَذَّبُوا [22/33]رَسُولَنَا مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَوْلُهُ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - وَأَوْرَثَنَا جَنَّاتِهِمْ وَعُيُونَهُمْ وَزُرُوعَهُمْ وَمَقَامَاتِهِمْ وَمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ عَنْهُمْ قَوْمًا آخَرِينَ بَعْدَ مَهْلِكِهِمْ ، وَقِيلَ : عُنِيَ بِالْقَوْمِ الْآخَرِينَ بَنُو إِسْرَائِيلَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ .