تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الدُّخَانِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ "

ج 22
ص 27

الآية المفسَّرة

فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 22 · ص 27

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ( 22 ) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 23 ) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ( 24 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَدَعَا مُوسَى (نبي)رَبَّهُ إِذْ كَذَّبُوهُ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ، وَلَمْ يُؤَدِّ [22/28]إِلَيْهِ عِبَادُ اللَّهِ ، وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ ، يَعْنِي فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ يَعْنِي : أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ كَافِرُونَ .
وَقَوْلُهُ فَأَسْرِ بِعِبَادِي وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ مِنْهُ ، وَهُوَ : فَأَجَابَهُ رَبُّهُ بِأَنْ قَالَ لَهُ : فَأَسْرِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بِعِبَادِي ، وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : فَأَسْرِ بِعِبَادِي الَّذِينَ صَدَّقُوكَ وَآمَنُوا بِكَ ، وَاتَّبَعُوكَ دُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوكَ مِنْهُمْ ، وَأَبَوْا قَبُولَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ النَّصِيحَةِ مِنْكَ ، وَكَانَ الَّذِينَ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَوْمَئِذٍ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَقَالَ : فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : سِرْ بِهِمْ بِلَيْلٍ قَبْلَ الصَّبَاحِ .
وَقَوْلُهُ إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ يَقُولُ : إِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مِنَ الْقِبْطِ مُتَّبِعُوكُمْ إِذَا شَخَصْتُمْ عَنْ بَلَدِهِمْ وَأَرْضِهِمْ فِي آثَارِكُمْ .
وَقَوْلُهُ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا يَقُولُ : وَإِذَا قَطَعْتَ الْبَحْرَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ ، فَاتْرُكْهُ سَاكِنًا عَلَى حَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا حِينَ دَخَلْتَهُ . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - قَالَ لِمُوسَى (نبي)هَذَا الْقَوْلَ بَعْدَ مَا قَطَعَ الْبَحْرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ ، وَهُوَ : فَسَرَى مُوسَى (نبي)بِعِبَادِي لَيْلًا وَقَطَعَ بِهِمُ الْبَحْرَ ، فَقُلْنَا لَهُ بَعْدَ مَا قَطَعَهُ ، وَأَرَادَ رَدَّ الْبَحْرِ إِلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ انْفِلَاقِهِ : اتْرُكْهُ رَهْوًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ لِمُوسَى (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْقَوْلَ بَعْدَ مَا قَطَعَ الْبَحْرَ بِقَوْمِهِ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ حَتَّى بَلَغَ إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ قَالَ : لَمَّا خَرَجَ آخِرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرَادَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ ، حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ مَخَافَةَ آلِ فِرْعَوْنَ أَنْ يُدْرِكُوهُمْ ، فَقِيلَ لَهُ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : [22/29]لَمَّا قَطَعَ الْبَحْرَ ، عَطَفَ لِيَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ لِيَلْتَئِمَ ، وَخَافَ أَنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ، فَقِيلَ لَهُ : وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا كَمَا هُوَ إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الرَّهْوِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : اتْرُكْهُ عَلَى هَيْئَتِهِ وَحَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا يَقُولُ : سَمْتًا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ قَالَ : الرَّهْوُ : أَنْ يُتْرَكَ كَمَا كَانَ ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَخْلُصُوا مِنْ وَرَائِهِ .
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَأَلَ كَعْبًا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : طَرِيقًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : اتْرُكْهُ سَهْلًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : سَهْلًا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : يُقَالُ : الرَّهْوُ : السَّهْلُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُمَارَةُ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، فَى قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : دَمِثًا . [22/30]
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : سَهْلًا دَمِثًا .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : هُوَ السَّهْلُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : وَاتْرُكْهُ يَبَسًا جُدُدًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : جُدُدًا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : يَابِسًا كَهَيْئَتِهِ بَعْدَ أَنْ ضَرَبَهُ ، يَقُولُ : لَا تَأْمُرْهُ يَرْجِعُ ، اتْرُكْهُ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ( رَهْوًا ) قَالَ : طَرِيقًا يَبَسًا .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا كَمَا هُوَ طَرِيقًا يَابِسًا .
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ : اتْرُكْهُ عَلَى هَيْئَتِهِ كَمَا هُوَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا حِينَ سَلَكْتَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّهْوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : السُّكُونُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
كَأَنَّمَا أهْلُ حُجْرٍ يَنْظُرُونَ مَتَى يَرَوْنَنِي خَارِجًا طَيْرٌ يَنَادِيدُ طَيْرٌ رَأَتْ بَازِيًا نَضْحُ الدِّمَاءِ بِهِ وأُمُّهُ خَرَجَتْ رَهْوًا إِلَى عِيدِ [22/31]
يَعْنِي عَلَى سُكُونٍ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّهُ مَتْرُوكٌ سَهْلًا دَمِثًا ، وَطَرِيقًا يَبَسًا لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَطَعُوهُ حِينَ قَطَعُوهُ ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، فَإِذَا تُرِكَ الْبَحْرُ رَهْوًا كَمَا كَانَ حِينَ قَطَعَهُ مُوسَى (نبي)سَاكِنًا لَمْ يَهِجْ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّهُ بِالصِّفَةِ الَّتِي وُصِفَتْ .
وَقَوْلُهُ إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ يَقُولُ : إِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ جُنْدٌ ، اللَّهُ مُغْرِقُهُمْ فِي الْبَحْرِ .