تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُّخْرُف

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ "

ج 21
ص 653

الآية المفسَّرة

وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 21 · ص 653

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 86 ) [21/654]
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يَمْلِكُ عِيسَى (نبي)وَعُزَيْرٌ (نبي)وَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَعْبُدُهُمْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِالسَّاعَةِ الشَّفَاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ لِأَحَدٍ ، إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَأَطَاعَهُ ، بِتَوْحِيدِ عِلْمٍ مِنْهُ وَصِحَّةٍ بِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ قَالَ : عِيسَى (نبي)، وَعُزَيْرٌ (نبي)، وَالْمَلَائِكَةُ .
قَوْلُهُ : إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ قَالَ كَلِمَةَ الْإِخْلَاصِ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ حُقٌّ ، وَعِيسَى (نبي)وَعُزَيْرٌ (نبي)وَالْمَلَائِكَةُ يَقُولُ : لَا يَشْفَعُ عِيسَى (نبي)وَعُزَيْرٌ (نبي)وَالْمَلَائِكَةُ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ ، وَهُوَ يَعْلَمُ الْحَقَّ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ : وَلَا تَمْلِكُ الْآلِهَةُ الَّتِي يَدْعُوهَا الْمُشْرِكُونَ وَيَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا عِيسَى (نبي)وَعُزَيْرٌ (نبي)وَذَوُوهُمَا ، وَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْحَقِّ ، فَأَقَرُّوا بِهِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ مَا شَهِدُوا بِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ : الْمَلَائِكَةُ وَعِيسَى (نبي)وَعُزَيْرٌ (نبي)، قَدْ عُبِدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَهُمْ شَفَاعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وَمَنْزِلَةٌ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ قَالَ : الْمَلَائِكَةُ وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (نبي)وَعُزَيْرٌ (نبي)، فَإِنَّ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ شَهَادَةً .
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَعْبُدُهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الشَّفَاعَةَ عِنْدَهُ لِأَحَدٍ ، إِلَّا مَنْ شَهِدَ [21/655]بِالْحَقِّ ، وَشَهَادَتُهُ بِالْحَقِّ : هُوَ إِقْرَارُهُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ . يَعْنِي بِذَلِكَ : إِلَّا مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ تَوْحِيدِهِ ، وَلَمْ يُخَصِّصْ بِأَنَّ الَّذِي لَا يَمْلِكُ مِلْكَ الشَّفَاعَةِ مِنْهُمْ بَعْضَ مَنْ كَانَ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ كَانَ تَعْبُدُ قُرَيْشٌ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ الْآلِهَةَ ، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَعْبُدُ مِنْ دُونِهِ الْمَلَائِكَةَ وَغَيْرَهُمْ ، فَجَمِيعُ أُولَئِكَ دَاخِلُونَ فِي قَوْلِهِ : وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُو قُرَيْشٌ وَسَائِرُ الْعَرَبِ مِنْ دُونِ اللَّهِ الشَّفَاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ . ثُمَّ اسْتَثْنَى - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ شَهَادَةَ الْحَقِّ فَيُوَحِّدُونَ اللَّهَ ، وَيُخْلِصُونَ لَهُ الْوَحْدَانِيَّةَ ، عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ وَيَقِينٍ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ عِنْدَهُ بِإِذْنِهِ لَهُمْ بِهَا ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى فَأَثْبَتَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لِلْمَلَائِكَةِ وَعِيسَى (نبي)وَعُزَيْرٍ (نبي)مِلْكَهُمْ مِنَ الشَّفَاعَةِ مَا نَفَاهُ عَنِ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ بِاسْتِثْنَائِهِ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ .