تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُّخْرُف

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ . . . "

ج 21
ص 634

الآية المفسَّرة

وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 21 · ص 634

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 63 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 64 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى (نبي)بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْبَيِّنَاتِ ، يَعْنِي بِالْوَاضِحَاتِ مِنَ الْأَدِلَّةِ . وَقِيلَ : عَنَى بِالْبَيِّنَاتِ : الْإِنْجِيلَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ أَيْ بِالْإِنْجِيلِ . وَقَوْلُهُ : قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ قِيلَ : عَنَى بِالْحِكْمَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : النُّبُوَّةَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ قَالَ : النُّبُوَّةِ .
وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الْحِكْمَةِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِشَوَاهِدِهِ ، وَذَكَرْتُ اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيلِهِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَقَوْلُهُ : وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ يَقُولُ : وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ .
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، [21/635]عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ قَالَ : مِنْ تَبْدِيلِ التَّوْرَاةِ .
وَقَدْ قِيلَ : مَعْنَى الْبَعْضِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى الْكُلِّ ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِ لَبِيدٍ ؟
تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذَا لَمْ أَرْضَهَا أَوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا
قَالُوا : الْمَوْتُ لَا يَعْتَلِقُ بَعْضَ النُّفُوسِ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى : أَوْ يَعْتَلِقُ النُّفُوسَ حِمَامُهَا ، وَلَيْسَ لِمَا قَالَ هَذَا الْقَائِلُ كَبِيرُ مَعْنًى ، لِأَنَّ عِيسَى (نبي)إِنَّمَا قَالَ لَهُمْ : وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ فِي أَسْبَابِ دَيْنِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ، فَقَالَ لَهُمْ : أُبَيِّنُ لَكُمْ بَعْضَ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَمْرُ دِينِهِمْ دُونَ مَا هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُمْ ، فَلِذَلِكَ خَصَّ مَا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يُبَيِّنُهُ لَهُمْ . وَأَمَّا قَوْلُ لَبِيدٍ : " أَوْ يَعْتَلِقُ بَعْضَ النُّفُوسِ " فَإِنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا كَذَلِكَ ، لِأَنَّهُ أَرَادَ : أَوْ يَعْتَلِقُ نَفْسَهُ حِمَامُهَا ، فَنَفْسُهُ مِنْ بَيْنِ النُّفُوسِ لَا شَكَّ أَنَّهَا بَعْضٌ لَا كُلٌّ .
وَقَوْلُهُ : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ يَقُولُ : فَاتَّقُوا رَبَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِطَاعَتِهِ ، وَخَافُوهُ بِاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ ، وَأَطِيعُونِ فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنِ اتِّقَاءِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ ، وَقَبُولِ نَصِيحَتِي لَكُمْ .
وَقَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ [21/636]عَلَيْنَا إِفْرَادُهُ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَإِخْلَاصُ الطَّاعَةِ لَهُ ، رَبِّي وَرَبُّكُمْ جَمِيعًا ، فَاعْبُدُوهُ وَحْدَهُ ، لَا تَشْرِكُوا مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ شَيْئًا ، فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ شَيْءٌ سِوَاهُ .
وَقَوْلُهُ : هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ يَقُولُ : هَذَا الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنِ اتِّقَاءِ اللَّهِ وَطَاعَتِي ، وَإِفْرَادِ اللَّهِ بِالْأُلُوهَةِ ، هُوَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ ، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ غَيْرِهِ .