تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُّخْرُف

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ "

ج 21
ص 603

الآية المفسَّرة

وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 21 · ص 603

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( 36 ) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 37 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَلَمْ يَخَفْ سَطْوَتَهُ ، وَلَمْ يَخْشَ عِقَابَهُ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ يَقُولُ : نَجْعَلْ لَهُ شَيْطَانًا يُغْوِيهِ فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ : يَقُولُ : فَهُوَ لِلشَّيْطَانِ قَرِينٌ ، أَيْ يَصِيرُ كَذَلِكَ ، وَأَصْلُ الْعَشْوِ : النَّظَرُ بِغَيْرِ ثَبْتٍ لِعِلَّةٍ فِي الْعَيْنِ ، يُقَالُ مِنْهُ : عَشَا فُلَانٌ يَعْشُو عَشْوًا وَعُشُوًّا : إِذَا ضَعُفَ بَصَرُهُ ، وَأَظْلَمَتْ عَيْنُهُ ، كَأَنَّ عَلَيْهِ غِشَاوَةٌ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ ؟
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا [21/604]
يَعْنِي : مَتَى تَفْتَقِرُ فَتَأْتِهِ يُعِنْكَ . وَأَمَّا إِذَا ذَهَبَ الْبَصَرُ وَلَمْ يُبْصِرْ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ : عَشِيَ فُلَانٌ يَعْشَى عَشًى مَنْقُوصٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى ؟
رَأَتْ رَجُلًا غَائِبَ الْوَافِدَيْنِ مُخْتَلِفَ الْخَلْقِ أَعْشَى ضَرِيرًا
يُقَالُ مِنْهُ : رَجُلٌ أَعْشَى وَامْرَأَةٌ عَشْوَاءُ . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : وَمَنْ لَا يَنْظُرُ فِي حُجَجِ اللَّهِ بِالْإِعْرَاضِ مِنْهُ عَنْهُ إِلَّا نَظَرًا ضَعِيفًا ، كَنَظَرِ مَنْ قَدْ عَشِيَ بَصَرُهُ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا يَقُولُ : إِذَا أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ نَقِيضُ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي قَوْلِهِ : [21/605] وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ قَالَ : يَعْرِضْ .
وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِمَعْنَى . وَمَنْ يَعْمَ ، وَمَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَيُحِبُّ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُ وَمَنْ يَعْشُ بِفَتْحِ الشِّينِ عَلَى مَا بَيَّنْتُ قِيلَ .
ذِكْرُ مَنْ تَأَوَّلَهُ كَذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ قَالَ : مَنْ يَعْمَ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ .
وَقَوْلُهُ : وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لِيَصُدُّونِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْشُونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ ، فَيُزَيِّنُونَ لَهُمُ الضَّلَالَةَ ، وَيُكَرِّهُونَ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ ، وَالْعَمَلَ بِطَاعَتِهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ يَقُولُ : وَيَظُنُّ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ بِتَحْسِينِ الشَّيَاطِينِ لَهُمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ ، أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ ، يُخْبِرُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنْهُمْ أَنَّهُمْ مِنَ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ عَلَى شَكٍّ وَعَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ . وَقَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَأَخْرَجَ ذِكْرَهُمْ مَخْرَجَ ذِكْرِ الْجَمِيعِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَبْلُ وَاحِدًا ، فَقَالَ : نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا لِأَنَّ الشَّيْطَانَ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ وَاحِدًا ، فَفِي مَعْنَى جَمْعٍ .