تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُّخْرُف

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ "

ج 21
ص 596

الآية المفسَّرة

وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 21 · ص 596

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ( 33 ) [21/597]
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً : جَمَاعَةً وَاحِدَةً .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لَمْ يُؤْمَنِ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَيْهِ ، لَوْ فَعَلَ مَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - وَمَا بِهِ لَمْ يَفْعَلْهُ مِنْ أَجْلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ . وَقَالَ : [21/598]مَعْنَى الْكَلَامِ : وَلَوْ لَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى الْكُفْرِ ، فَيَصِيرَ جَمِيعُهُمْ كَفَّارًا لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : لَوْ لَا أَنْ أَجْعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ كُفَّارًا ، لَجَعَلْتُ لِلْكُفَّارِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : ثَنَا عَوْفٌ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً قَالَ : لَوْ لَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ كُفَّارًا أَجْمَعُونَ ، يَمِيلُونَ إِلَى الدُّنْيَا ، لَجَعَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الَّذِي قَالَ ، تَمَّ قَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ مَالَتِ الدُّنْيَا بِأَكْثَرِ أَهْلِهَا ، وَمَا فَعَلَ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ لَوْ فَعَلَهُ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً : أَيْ كُفَّارًا كُلُّهُمْ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً قَالَ : لَوْ لَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ كُفَّارًا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ . ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً يَقُولُ : كُفَّارًا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا وَتَرْكِ طَلَبِ الْآخِرَةِ . وَقَالَ : مَعْنَى الْكَلَامِ : وَلَوْ لَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا وَرَفْضِ الْآخِرَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً قَالَ : لَوْ لَا أَنْ يَخْتَارَ النَّاسُ دُنْيَاهُمْ عَلَى دِينِهِمْ ، لَجَعَلْنَا هَذَا لِأَهْلِ الْكُفْرِ .
وَقَوْلُهُ : لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ فَى الدُّنْيَا سُقُفًا ، يَعْنِي أَعَالِيَ بُيُوتِهِمْ ، وَهِيَ السُّطُوحُ فِضَّةً
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ السُّقُفُ : أَعْلَى الْبُيُوتِ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فَى تَكْرِيرِ اللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : لِمَنْ يَكْفُرُ وَفِي قَوْلِهِ : ( لِبُيُوتِهِمْ ) ، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان)يَزْعُمُ أَنَّهَا أُدْخِلَتْ فِي الْبُيُوتِ عَلَى الْبَدَلِ . وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ (مكان)يَقُولُ : إِنْ شِئْتَ حَمْلَتَهَا فِي ( لِبُيُوتِهِمْ ) مُكَرَّرَةً ، كَمَا فِي يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ اللَّامَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ ، كَأَنَّ الثَّانِيَةَ فِي مَعْنَى عَلَى ، كَأَنَّهُ قَالَ : جَعَلْنَا لَهُمْ عَلَى بُيُوتِهِمْ سُقُفًا . قَالَ : وَتَقُولُ الْعَرَبُ لِلرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ : جَعَلْتُ لَكَ لِقَوْمِكَ الْأُعْطِيَّةَ : أَيْ جَعَلْتُهُ مِنْ أَجْلِكَ لَهُمْ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : " سُقُفًا " فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ (مكان)وَبَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ وَعَامَّةُ الْبَصْرِيِّينَ ( سَقْفًا ) بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْقَافِ اعْتِبَارًا مِنْهُمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَتَوْجِيهًا مِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ بِلَفْظِ وَاحِدٍ مَعْنَاهُ الْجَمْعُ . وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ (مكان)وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ (مكان)( سُقُفًا ) بِضَمِّ السِّينِ وَالْقَافِ ، وَوَجَّهُوهَا إِلَى أَنَّهَا جَمْعُ سَقِيفَةٍ أَوْ سُقُوفٍ . وَإِذَا وُجِّهَتْ إِلَى أَنَّهَا جَمْعُ سُقُوفٍ كَانَتْ جَمْعَ الْجَمْعِ ، لِأَنَّ السُّقُوفَ : جَمْعُ سَقْفٍ ، ثُمَّ تُجْمَعُ السُّقُوفُ سُقُفًا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَظِيرَ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ " فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ " بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْهَاءِ ، وَهِيَ الْجُمُعُ ، وَاحِدُهَا [21/599]رِهَانٌ وَرُهُونٌ ، وَوَاحِدُ الرُّهُونِ وَالرِّهَانِ : رَهْنٌ .
وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ " كُلُوا مِنْ ثُمُرِهِ " بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ ، وَنَظِيرَ قَوْلِ الرَّاجِزِ ؟
حَتَّى إِذَا ابْتَلَّتْ حَلَاقِيمُ الْحُلُقْ
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ السُّقُفَ بِضَمِّ السِّينِ وَالْقَافِ جَمْعُ سَقْفٍ ، وَالرُّهُنَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْهَاءِ جَمْعُ رَهْنٍ ، فَأُغْفِلَ وَجْهُ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ اسْمٌ عَلَى تَقْدِيرِ فَعْلٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ مَجْمُوعًا عَلَى فِعْلٍ ، فَيَجْعَلُ السُّقُفَ وَالرُّهُنَ مِثْلَهُ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .
وَقَوْلُهُ : وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ يَقُولُ : وَمَرَاقِي وَدُرُجًا عَلَيْهَا يَصْعَدُونَ ، فَيَظْهَرُونَ عَلَى السُّقُفِ وَالْمَعَارِجِ : هِيَ الدُّرُجُ نَفْسُهَا ، كَمَا قَالَ الْمُثَنَّى بْنُ جَنْدَلٍ ؟
يَا رَبِّ رَبَّ الْبَيْتِ ذِي الْمَعَارِجِ
[21/600]وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( وَمَعَارِجَ ) قَالَ : مَعَارِجُ مِنْ فِضَّةِ ، وَهِيَ دُرُجٌ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ : أَيْ دُرُجًا عَلَيْهَا يَصْعَدُونَ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ قَالَ : الْمَعَارِجُ : الْمَرَاقِي .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ قَالَ : دُرُجٌ عَلَيْهَا يَرْفَعُونَ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ قَالَ : دُرُجٌ عَلَيْهَا يَصْعَدُونَ إِلَى الْغُرَفِ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ قَالَ : الْمَعَارِجُ : دُرُجٌ مِنْ فِضَّةٍ .