تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُّمَرِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ . . . "

ج 21
ص 293

الآية المفسَّرة

أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 21 · ص 293

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ( 36 ) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ( 37 )
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ (مكان)وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ (مكان): " أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عِبَادَهُ " عَلَى الْجِمَاعِ ، بِمَعْنَى : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ مُحَمَّدًا (نبي)وَأَنْبِيَاءَهُ مِنْ قَبْلِهِ - مَا خَوَّفَتْهُمْ أُمَمُهُمْ مِنْ أَنْ تَنَالَهُمْ آلِهَتُهُمْ بِسُوءٍ ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ (مكان)وَالْبَصْرَةِ (مكان)، وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ (مكان): ( بِكَافٍ عَبْدَهُ ) عَلَى التَّوْحِيدِ ، بِمَعْنَى : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ مُحَمَّدًا (نبي).
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ .
[21/294]فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ لِصِحَّةِ مَعْنَيَيْهِمَا وَاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ بِهِمَا فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ يَقُولُ : مُحَمَّدٌ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ قَالَ : بَلَى ، وَاللَّهِ لَيَكْفِيَنَّهُ اللَّهُ وَيُعِزُّهُ وَيَنْصُرُهُ كَمَا وَعَدَهُ .
وَقَوْلُهُ : وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَيُخَوِّفُكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)بِالَّذِينِ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْآلِهَةِ أَنْ تُصِيبَكَ بِسُوءٍ ، بِبَرَاءَتِكَ مِنْهَا ، وَعَيْبِكَ لَهَا ، وَاللَّهُ كَافِيكَ ذَلِكَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ : الْآلِهَةُ . قَالَ : " بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى شِعْبٍ بِسَقَامٍ (مكان)لِيَكْسِرَ الْعُزَّى ، فَقَالَ سَادِنُهَا ، وَهُوَ قَيِّمُهَا : يَا خَالِدُ أَنَا أُحَذِّرُكَهَا ، إِنَّ لَهَا شِدَّةً لَا يَقُومُ إِلَيْهَا شَيْءٌ ، فَمَشَى إِلَيْهَا خَالِدٌ بِالْفَأْسِ فَهَشَّمَ أَنْفَهَا " .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يَقُولُ : بِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : [21/295] وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ قَالَ : يُخَوِّفُونَكَ بِآلِهَتِهِمُ الَّتِي مِنْ دُونِهِ .
وَقَوْلُهُ : وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَنْ يَخْذُلْهُ اللَّهُ فَيُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَسَبِيلِ الرُّشْدِ ، فَمَا لَهُ سِوَاهُ مِنْ مُرْشِدٍ وَمُسَدِّدٍ إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ ، وَمُوَفِّقٍ لِلْإِيمَانِ بِاللَّهِ ، وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ يَقُولُ : وَمَنْ يُوَفِّقْهُ اللَّهُ لِلْإِيمَانِ بِهِ ، وَالْعَمَلِ بِكِتَابِهِ ، فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ، يَقُولُ : فَمَا لَهُ مِنْ مُزِيغٍ يُزِيغُهُ عَنِ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ إِلَى الِارْتِدَادِ إِلَى الْكُفْرِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : أَلَيْسَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ (نبي)بِعَزِيزٍ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ كَفَرَةِ خَلْقِهِ ، ذِي انْتِقَامٍ مِنْ أَعْدَائِهِ الْجَاحِدِينَ وَحْدَانِيَّتَهُ .