تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الصَّافَّاتِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ "

ج 21
ص 70

الآية المفسَّرة

قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 21 · ص 70

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ( 97 ) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ ( 98 ) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 99 ) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ( 100 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : قَالَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)لَمَّا قَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ (نبي): أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ابْنُوا لِإِبْرَاهِيمَ (نبي)بُنْيَانًا ، ذُكِرَ أَنَّهُمْ بَنَوْا لَهُ بُنْيَانًا يُشْبِهُ التَّنُّورَ ، ثُمَّ نَقَلُوا إِلَيْهِ الْحَطَبَ ، وَأَوْقَدُوا عَلَيْهِ فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ وَالْجَحِيمُ عِنْدَ الْعَرَبِ : جَمْرُ النَّارِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ، وَالنَّارُ عَلَى النَّارِ .
[21/71]وَقَوْلُهُ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَأَرَادَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)كَيْدًا ، وَذَلِكَ مَا كَانُوا أَرَادُوا مِنْ إِحْرَاقِهِ بِالنَّارِ . يَقُولُ اللَّهُ : ( فَجَعَلْنَاهُمُ ) أَيْ فَجَعَلْنَا قَوْمَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)( الْأَسْفَلِينَ ) يَعْنِي الْأَذَلِّينَ حُجَّةً ، وَغَلَّبْنَا إِبْرَاهِيمَ (نبي)عَلَيْهِمْ بِالْحُجَّةِ ، وَأَنْقَذْنَاهُ مِمَّا أَرَادُوا بِهِ مِنَ الْكَيْدِ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ قَالَ : فَمَا نَاظَرَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى أَهْلَكَهُمْ .
وَقَوْلُهُ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ يَقُولُ : وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)لَمَّا أَفْلَجَهُ اللَّهُ عَلَى قَوْمِهِ وَنَجَّاهُ مِنْ كَيْدِهِمْ : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي يَقُولُ : إِنِّي مُهَاجِرٌ مِنْ بَلْدَةِ قَوْمِي إِلَى اللَّهِ : أَيْ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، وَمُفَارِقُهُمْ ، فَمُعْتَزِلُهُمْ لِعِبَادَةِ اللَّهِ .
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ : ذَاهِبٌ بِعَمَلِهِ وَقَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ : إِنَّمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي) إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي حِينَ أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوهُ فِي النَّارِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ يَقُولُ : لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوا إِبْرَاهِيمَ (نبي)فِي النَّارِ قَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ فَجَمَعَ الْحَطَبَ ، فَجَاءَتْ عَجُوزٌ عَلَى ظَهْرِهَا حَطَبٌ ، فَقِيلَ لَهَا : أَيْنَ تُرِيدِينَ ؟ قَالَتْ : أُرِيدُ أَذْهَبُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يُلْقَى فِي النَّارِ ، فَلَمَّا أُلْقِيَ فِيهَا قَالَ : حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، أَوْ قَالَ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَ : فَقَالَ اللَّهُ : يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ قَالَ : فَقَالَ ابْنُ لُوطٍ ، (نبي)أَوِ ابْنُ أَخِي لُوطٍ (نبي): إِنِ النَّارَ لَمْ تَحْرِقْهُ مِنْ أَجْلِي ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ عُنُقًا مِنَ النَّارِ فَأَحْرَقَتْهُ .
وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ الْقَوْلَ الَّذِي قُلْتُ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَكَرَ خَبَرَهُ [21/72]وَخَبَرَ قَوْمِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَمَّا نَجَّاهُ مِمَّا حَاوَلَ قَوْمُهُ مِنْ إِحْرَاقِهِ قَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي فَفَسَّرَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ : إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ ، (مكان)فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي لِأَنَّهُ كَقَوْلِهِ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي وَقَوْلُهُ ( سَيَهْدِينِ ) يَقُولُ : سَيُثَبِّتُنِي عَلَى الْهُدَى الَّذِي أَبْصَرْتُهُ ، وَيُعِينُنِي عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ وَهَذَا مَسْأَلَةُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَهُ وَلَدًا صَالِحًا ، يَقُولُ : قَالَ : يَا رَبِّ هَبْ لِي مِنْكَ وَلَدًا يَكُونُ مِنَ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يُطِيعُونَكَ ، وَلَا يَعْصُونَكَ ، وَيُصْلِحُونَ فِي الْأَرْضِ ، وَلَا يُفْسِدُونَ .
كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي قَوْلِهِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ : وَلَدًا صَالِحًا .
وَقَالَ : مِنَ الصَّالِحِينَ ، وَلَمْ يَقُلْ : صَالِحًا مِنَ الصَّالِحِينَ ، اجْتِزَاءً " بِمِنْ " ذِكْرُ الْمَتْرُوكِ . كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ بِمَعْنَى زَاهِدِينَ مِنَ الزَّاهِدِينَ .