تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الصَّافَّاتِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ "

ج 21
ص 35

الآية المفسَّرة

فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 21 · ص 35

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ( 42 ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 43 ) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ( 44 ) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 45 ) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ( 46 ) لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْـزَفُونَ ( 47 ) [21/36]قَوْلُهُ ( فَوَاكِهُ ) رَدًّا عَلَى الرِّزْقِ الْمَعْلُومِ تَفْسِيرًا لَهُ ، وَلِذَلِكَ رُفِعَتْ وَقَوْلُهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ يَقُولُ : وَهُمْ مَعَ الَّذِي لَهُمْ مِنَ الرِّزْقِ الْمَعْلُومِ فِي الْجَنَّةِ ، مُكْرَمُونَ بِكَرَامَةِ اللَّهِ الَّتِي أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهَا
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ يَعْنِي : فِي بَسَاتِينِ النَّعِيمِ
عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ يَعْنِي : أَنَّ بَعْضَهُمْ يُقَابِلُ بَعْضًا ، وَلَا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ فِي قَفَا بَعْضٍ . وَقَوْلُهُ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : يَطُوفُ الْخَدَمُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ خَمْرٍ جَارِيَةٍ ظَاهِرَةٍ لِأَعْيُنِهِمْ غَيْرِ غَائِرَةٍ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ قَالَ : كَأْسٌ مِنْ خَمْرٍ جَارِيَةٍ ، وَالْمَعِينُ : هِيَ الْجَارِيَةُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، فِي قَوْلِهِ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ قَالَ : كُلُّ كَأْسٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ خَمْرٌ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ : كُلُّ كَأْسٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ خَمْرٌ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي قَوْلِهِ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ قَالَ : الْخَمْرُ . وَالْكَأْسُ عِنْدَ الْعَرَبِ : كُلُّ إِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرَابٌ لَمْ يَكُنْ كَأْسًا ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ إِنَاءً .
وَقَوْلُهُ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ يَعْنِي بِالْبَيْضَاءِ : الْكَأْسَ ، وَلِتَأْنِيثِ الْكَأْسِ أُنِّثَتِ الْبَيْضَاءُ ، وَلَمْ يَقُلْ أَبْيَضَ ، وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : صَفْرَاءَ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي قَوْلِهِ ( بَيْضَاءَ ) قَالَ السُّدِّيُّ : فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : صَفْرَاءَ [21/37]وَقَوْلُهُ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ يَقُولُ : هَذِهِ الْخَمْرُ لَذَّةٌ يَلْتَذُّهَا شَارِبُوهَا .
وَقَوْلُهُ لا فِيهَا غَوْلٌ يَقُولُ : لَا فِي هَذِهِ الْخَمْرِ غُولٌ ، وَهُوَ أَنْ تَغْتَالَ عُقُولَهُمْ : يَقُولُ : لَا تَذْهَبُ هَذِهِ الْخَمْرُ بِعُقُولِ شَارِبِيهَا كَمَا تَذْهَبُ بِهَا خُمُورُ أَهْلِ الدُّنْيَا إِذَا شَرِبُوهَا فَأَكْثَرُوا مِنْهَا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
وَمَا زَالَتِ الْكَأْسُ تَغْتَالُنَا وَتَذْهَبُ بِالْأَوَّلِ الْأَوَّلِ
وَالْعَرَبُ تَقُولُ : لَيْسَ فِيهَا غِيلَةٌ وَغَائِلَةٌ وَغَوْلٌ . بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَرُفِعَ غُوْلٌ وَلَمْ يُنْصَبْ بِلَا لِدُخُولِ حِرَفِ الصِّفَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْغَوْلِ ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي التَّبْرِئَةِ إِذَا حَالَتْ بَيْنَ لَا وَالِاسْمِ بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الصِّفَاتِ - رَفَعُوا الِاسْمَ وَلَمْ يَنْصِبُوهُ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ لا فِيهَا غَوْلٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ : لَيْسَ فِيهَا مَا يُؤْذِيهِمْ مِنْ مَكْرُوهٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ لِلرَّجُلِ يُصَابُ بِأَمْرٍ مَكْرُوهٍ ، أَوْ يُنَالُ بِدَاهِيَةٍ عَظِيمَةٍ : غَالَ فَلَانًا غَوْلٌ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : لَيْسَ فِيهَا صُدَاعٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ لا فِيهَا غَوْلٌ يَقُولُ : لَيْسَ فِيهَا صُدَاعٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَيْسَ فِيهَا أَذًى فَتُشَكَّى مِنْهُ بُطُونُهُمْ .
[21/38]ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لا فِيهَا غَوْلٌ قَالَ : هِيَ الْخَمْرُ لَيْسَ فِيهَا وَجَعُ بَطْنٍ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ لا فِيهَا غَوْلٌ قَالَ : وَجَعُ بَطْنٍ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ لا فِيهَا غَوْلٌ قَالَ : الْغَوْلُ مَا يُوجِعُ الْبُطُونَ ، وَشَارِبُ الْخَمْرِ هَاهُنَا يَشْتَكِي بَطْنَهُ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ لا فِيهَا غَوْلٌ يَقُولُ : لَيْسَ فِيهَا وَجَعُ بَطْنٍ ، وَلَا صُدَاعُ رَأْسٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهَا لَا تَغُولُ عُقُولَهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ لا فِيهَا غَوْلٌ قَالَ : لَا تَغْتَالُ عُقُولَهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَيْسَ فِيهَا أَذًى وَلَا مَكْرُوهٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حُدِّثْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فِي قَوْلِهِ لا فِيهَا غَوْلٌ قَالَ : أَذًى وَلَا مَكْرُوهٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيعَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فِي قَوْلِهِ : لا فِيهَا غَوْلٌ قَالَ : لَيْسَ فِيهَا أَذًى وَلَا مَكْرُوهٌ .
[21/39]وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ .
وَلِكُلِّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَجْهٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغَوْلَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : هُوَ مَا غَالَ الْإِنْسَانَ فَذَهَبَ بِهِ ، فَكُلُّ مَنْ نَالَهُ أَمْرٌ يَكْرَهُهُ ضَرَبُوا لَهُ بِذَلِكَ الْمَثَلِ ، فَقَالُوا : غَالَتْ فُلَانًا غَوْلٌ . فَالذَّاهِبُ الْعَقْلَ مِنْ شُرْبِ الشَّرَابِ ، وَالْمُشْتَكِي الْبَطْنَ مِنْهُ ، وَالْمُصَدَّعُ الرَّأْسَ مِنْ ذَلِكَ ، وَالَّذِي نَالَهُ مِنْهُ مَكْرُوهٌ - كُلُّهُمْ قَدْ غَالَتْهُ غَوْلٌ .
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - قَدْ نَفَى عَنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ غَوْلٌ ، فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِصِفَتِهِ أَنْ يُقَالَ فِيهِ كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لا فِيهَا غَوْلٌ فَيَعُمُّ بِنَفْيِ كُلِّ مَعَانِي الْغَوْلِ عَنْهُ ، وَأَعَمُّ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : لَا أَذَى فِيهَا وَلَا مَكْرُوهَ عَلَى شَارِبِيْهَا فِي جِسْمٍ وَلَا عَقْلٍ ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْـزَفُونَ فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ (مكان)وَالْبَصْرَةِ (مكان)وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ (مكان)( يُنْزَفُونَ ) بِفَتْحِ الزَّايِ ، بِمَعْنَى : وَلَا هُمْ عَنْ شُرْبِهَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ (مكان): " وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزِفُونَ " بِكَسْرِ الزَّايِ ، بِمَعْنَى : وَلَا هُمْ عَنْ شُرْبِهَا يَنْفَدُ شَرَابُهُمْ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى غَيْرَ مُخْتَلِفَتَيْهِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَنْفَدُ شَرَابُهُمْ ، وَلَا يُسْكِرُهُمْ شُرْبُهُمْ إِيَّاهُ ، فَيُذْهِبَ عُقُولَهُمْ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْـزَفُونَ يَقُولُ : لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي قَالَ : ثَنِي عَمِّي قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْـزَفُونَ قَالَ : لَا تُنْزَفُ فَتَذْهَبُ [21/40]عُقُولُهُمْ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْـزَفُونَ قَالَ : لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي قَوْلِهِ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْـزَفُونَ قَالَ : لَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْـزَفُونَ قَالَ : لَا تُنْزَفُ الْعُقُولُ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْـزَفُونَ قَالَ : لَا تَغْلِبُهُمْ عَلَى عُقُولِهِمْ .
وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَمَّنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ لَمْ تُفَصِّلْ لَنَا رُوَاتُهُ الْقِرَاءَةَ الَّذِي هَذَا تَأْوِيلُهَا ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَأْوِيلَ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهَا يُنْزَفُونَ وَيُنْزِفُونَ كِلْتَيْهِمَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : قَدْ نَزَفَ الرَّجُلُ فَهُوَ مَنْزُوفٌ : إِذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ ، وَأَنْزَفَ فَهُوَ مُنْزِفٌ ، مَحْكِيَّةٌ عَنْهُمُ اللُّغَتَانِ كِلْتَاهُمَا فِي ذَهَابِ الْعَقْلِ مِنَ السُّكْرِ ، وَأَمَّا إِذَا فَنِيَتْ خَمْرُ الْقَوْمِ فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ إِلَّا أَنْزَفَ الْقَوْمُ بِالْأَلِفِ .
وَمِنَ الْإِنْزَافِ بِمَعْنَى : ذَهَابِ الْعَقْلِ مِنَ السُّكْرِ - قَوْلُ الْأُبَيْرِدُ :
لَعَمْرِي لَئِنْ أَنْزَفْتُمُوا أَوْ صَحَوْتُمُ لَبِئْسَ النَّدَامَى كُنْتُمُ آلَ أَبْجَرَا