تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ يس

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ "

ج 20
ص 548

الآية المفسَّرة

وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 20 · ص 548

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ( 68 ) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 ) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ( 70 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ ) فَنَمُدُّ لَهُ فِي الْعُمُرِ ( نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ) نَرُدُّهُ إِلَى مِثْلِ حَالِهِ فِي الصِّبَا مِنَ الْهَرَمِ وَالْكِبَرِ ، وَذَلِكَ هُوَ النَّكْسُ فِي الْخَلْقِ ، فَيَصِيرُ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا بَعْدَ الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ يَعْلَمُهُ .
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ يَقُولُ : مَنْ نَمُدُّ لَهُ فِي الْعُمُرِ نُنَكِّسُهُ فِي الْخَلْقِ ؛ لِكَيْلَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ، يَعْنِي الْهَرَمَ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ( نُنَكِّسْهُ ) فَقَرَأَهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ (مكان)وَالْبَصْرَةِ ، (مكان)وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : ( نَنْكِسْهُ ) بِفَتْحِ النُّونِ الْأُولَى وَتَسْكِينِ الثَّانِيَةِ . وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ (مكان)( نُنَكِّسْهُ ) بِضَمِّ النُّونِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، غَيْرَ أَنَّ الَّتِي عَلَيْهَا عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ أَعْجَبُ إِلَيَّ ؛ لِأَنَّ التَّنْكِيسَ مِنَ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ إِنَّمَا هُوَ حَالٌ بَعْدَ حَالٍ ، وَشَيْءٌ بَعْدَ شَيْءٍ ، فَذَلِكَ تَأْيِيدٌ لِلتَّشْدِيدِ .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ( أَفَلَا يَعْقِلُونَ ) فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ (مكان)( أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) بِالتَّاءِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ . وَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْكُوفَةِ (مكان)بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَرِ . وَقِرَاءَةُ ذَلِكَ بِالْيَاءِ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ ؛ لِأَنَّهُ احْتِجَاجٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالَ [20/549]فِيهِمْ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَإِخْرَاجُ ذَلِكَ خَبَرًا عَلَى نَحْوِ مَا خَرَجَ قَوْلُهُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ أَعْجَبُ إِلَيَّ ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ غَيْرَ مَدْفُوعٍ .
وَيَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ ( أَفَلَا يَعْقِلُونَ ) : أَفَلَا يَعْقِلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى مَا يَشَاءُ بِمُعَايَنَتِهِمْ مَا يُعَايِنُونَ مِنْ تَصْرِيفِهِ خَلْقَهُ فِيمَا شَاءَ وَأَحَبَّ مِنْ صِغَرٍ إِلَى كِبَرٍ ، وَمِنْ تَنْكِيسٍ بَعْدَ كِبَرٍ فِي هَرَمٍ .
وَقَوْلُهُ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَا عَلَّمْنَا مُحَمَّدًا (نبي)الشِّعْرَ ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ قَالَ : قِيلَ لِعَائِشَةَ : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَمَثَّلُ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ؟ قَالَتْ : كَانَ أَبْغَضَ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَمَثَّلُ بِبَيْتِ أَخِي بَنِي قَيْسٍ ، فَيَجْعَلُ آخِرَهُ أَوَّلَهُ ، وَأَوَّلَهُ آخِرَهُ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّهُ لَيْسَ هَكَذَا ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ : " إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا بِشَاعِرٍ ، وَلَا يَنْبَغِي لِي " .
وَقَوْلُهُ ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ يَعْنِي بِقَوْلِهِ ) إِنْ هُوَ ) أَيْ : مُحَمَّدٌ (نبي)إِلَّا ذِكْرٌ لَكُمْ - أَيُّهَا النَّاسُ - ذَكَّرَكُمُ اللَّهُ بِإِرْسَالِهِ إِيَّاهُ إِلَيْكُمْ ، وَنَبَّهَكُمْ بِهِ عَلَى حَظِّكُمْ ( وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ) يَقُولُ : وَهَذَا الَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ (نبي)قُرْآنٌ مُبِينٌ ، يَقُولُ : يَبِينُ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ بِعَقْلٍ وَلُبٍّ أَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ وَلَا مَعَ كَاهِنٍ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ( وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ) قَالَ : هَذَا الْقُرْآنُ .
وَقَوْلُهُ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا يَقُولُ : إِنْ مُحَمَّدٌ (نبي)إِلَّا ذِكْرٌ لَكُمْ لِيُنْذِرَ مِنْكُمْ - أَيُّهَا النَّاسُ - مَنْ كَانَ حَيَّ الْقَلْبِ ، يَعْقِلُ مَا يُقَالُ لَهُ ، وَيَفْهَمُ مَا يَبِينُ لَهُ ، غَيْرَ مَيِّتِ الْفُؤَادِ بَلِيدٍ .
[20/550]وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا قَالَ : مَنْ كَانَ عَاقِلًا .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا : حَيَّ الْقَلْبِ ، حَيَّ الْبَصَرِ .
قَوْلُهُ وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ يَقُولُ : وَيَحِقَّ الْعَذَابُ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ ، الْمُوَلِّينَ عَنِ اتِّبَاعِهِ ، الْمُعْرِضِينَ عَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ بِأَعْمَالِهِمْ .