تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ يس

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ "

ج 20
ص 512

الآية المفسَّرة

أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 20 · ص 512

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ( 31 ) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ( 32 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَلَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَنَا ، وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِنَا مِنَ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ يَقُولُ : أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ [20/513].
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ قَالَ : عَادٌ ، وَثَمُودُ ، وَقُرُونٌ بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرٌ .
و " كَمْ " مِنْ قَوْلِهِ ( كَمْ أَهْلَكْنَا ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ إِنْ شِئْتَ بِوُقُوعِ يَرَوْا عَلَيْهَا . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( أَلَمْ يَرَوْا مَنْ أَهْلَكْنَا ) وَإِنْ شِئْتَ بِوُقُوعِ أَهْلَكْنَا عَلَيْهَا ; وَأَمَّا " أَنَّهُمْ " ، فَإِنَّ الْأَلِفَ مِنْهَا فُتِحَتْ بِوُقُوعِ يَرَوْا عَلَيْهَا . وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَسَرَ الْأَلِفَ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْنَافِ بِهَا ، وَتَرْكِ إِعْمَالِ يَرَوْا فِيهَا .
وَقَوْلُهُ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَإِنْ كُلُّ هَذِهِ الْقُرُونِ الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا وَالَّذِينَ لَمْ نُهْلِكْهُمْ وَغَيْرُهُمْ عِنْدَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَمِيعُهُمْ مُحْضَرُونَ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ أَيْ هُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ ، (مكان)وَالْبَصْرَةِ ، (مكان)وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : ( وَإِنْ كُلٌّ لَمَا ) بِالتَّخْفِيفِ تَوْجِيهًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ " مَا " أُدْخِلَتْ عَلَيْهَا اللَّامُ الَّتِي تَدْخُلُ جَوَابًا لَإِنْ ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَإِنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ( لَمَّا ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ . وَلِتَشْدِيدِهِمْ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ عِنْدَهُمْ كَانَ مُرَادًا بِهِ : وَإِنْ كُلٌّ لَمِمَّا جَمِيعٌ ، ثُمَّ حُذِفَتْ إِحْدَى الْمِيمَاتِ لَمَّا كَثُرَتْ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
غَدَاةَ طَفَتْ عَلْمَاءِ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ وَعُجْنَا صُدُورَ الخَيْلِ نَحْوَ تَمِيمٍ
[20/514]وَالْآخَرُ : أَنْ يَكُونُوا أَرَادُوا أَنْ تَكُونَ ( لَمَّا ) بِمَعْنَى إِلَّا مَعَ إِنْ خَاصَّةً فَتَكُونُ نَظِيرَةَ إِنَّمَا إِذَا وُضِعَتْ مَوْضِعَ " إِلَّا " . وَقَدْ كَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ (مكان)يَقُولُ : كَأَنَّهَا " لَمْ " ضُمَّتْ إِلَيْهَا " مَا " ، فَصَارَتَا جَمِيعًا اسْتِثْنَاءً ، وَخَرَجَتَا مِنْ حَدِّ الْجَحْدِ . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ : لَا أَعْرِفُ وَجْهَ " لَمَّا " بِالتَّشْدِيدِ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .