تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ السَّجْدَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "

ج 20
ص 198

الآية المفسَّرة

وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 20 · ص 198

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 28 ) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 29 ) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ( 30 )
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ( وَيَقُولُونَ ) هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)لَكَ : مَتَى هَذَا الْفَتْحُ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : مَتَى يَجِيءُ هَذَا الْحُكْمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ، وَمَتَى يَكُونُ هَذَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالَ : قَالَ أَصْحَابُ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ لَنَا يَوْمًا أَوْشَكَ أَنْ نَسْتَرِيحَ فِيهِ وَنَنْعَمَ فِيهِ . فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ فَتْحَ مَكَّةَ (مكان).
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : وَيَقُولُونَ : مَتَى يَجِيءُ هَذَا الْحُكْمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ، يَعْنُونَ الْعَذَابَ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ قَوْلُهُ : قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكُفَّارَ قَدْ كَانَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ التَّوْبَةَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ (مكان)وَبَعْدَهُ ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ : مَتَى هَذَا الْفَتْحُ عَلَى مَا قَالَهُ مَنْ قَالَ : يَعْنِي بِهِ فَتْحَ مَكَّةَ ، (مكان)لَكَانَ لَا تَوْبَةَ لِمَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ ، (مكان)وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَابَ عَلَى بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ ، (مكان)وَنَفْعَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ ، فَمَعْلُومٌ بِذَلِكَ صِحَّةُ مَا قُلْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ ، وَفَسَادُ مَا خَالَفَهُ . وَقَوْلُهُ : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ يَعْنِي : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي الَّذِي تَقُولُونَ ، مِنْ أَنَّا مُعَاقَبُونَ عَلَى تَكْذِيبِنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، (نبي)وَعِبَادَتِنَا الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ . [20/199]
وَقَوْلُهُ : قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُلْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)لَهُمْ : يَوْمَ الْحُكْمِ ، وَمَجِيءِ الْعَذَابِ لَا يَنْفَعُ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ إِيمَانُهُمُ الَّذِي يُحْدِثُونَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ .
كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ قَالَ : يَوْمَ الْفَتْحِ إِذَا جَاءَ الْعَذَابُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( يَوْمَ الْفَتْحِ ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَنُصِبَ الْيَوْمُ فِي قَوْلِهِ : قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ رَدًّا عَلَى مَتَى ، وَذَلِكَ أَنَّ ( مَتَى ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : أَنَّى حِينُ هَذَا الْفَتْحِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ؟ ثُمَّ قِيلَ : يَوْمُ كَذَا ، وَبِهِ قَرَأَ الْقُرَّاءُ .
وَقَوْلُهُ : وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يَقُولُ : وَلَا هُمْ يُؤَخَّرُونَ لِلتَّوْبَةِ وَالْمُرَاجَعَةِ . وَقَوْلُهُ : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَأَعْرِضْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ ، الْقَائِلِينَ لَكَ : مَتَى هَذَا الْفَتْحُ ، الْمُسْتَعْجِلِيكَ بِالْعَذَابِ ، وَانْتَظِرْ مَا اللَّهُ صَانِعٌ بِهِمْ ، إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ مَا تَعِدُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ وَمَجِيءِ السَّاعَةِ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ السَّجْدَةِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .